التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٢ - ٢/ مصدر شرعية القيمة
إن هذه النظريات تجعل الذات محور وجود العالم. أما الآخرون فيصبح وجودهم ثانوياً، إنما يبرر وجودهم من خلال وجود" أنا" لأنهم ينفعونه، أو لأنه من دونهم لا يجد" أنا" من يؤنسه، وهكذا.
وهذا التبرير- حتى لو كان مقنعاً- يجعل الإنسان يفضل مصالحه الذاتية على مصالح الآخرين. ويرى ان وجوده هو الاولى، فيصبح التناقض والصراع سمة العالم بينما الأخلاق بحاجة إلى قوة كبيرة لتبريرها.
وقد سعى الانبياء والاوصياء عليهم السلام من اجل تطهير النفس البشرية من الانانية، ودفعها إلى مستوى العيش مع الآخرين. وكانت نتيجة ذلك كله ان تربّت البشرية على قيم الخير (وتحولت إلى أعراف وقواعد قانونية ومناهجتربوية).
ولكن الفكر المادي جاء يوجه تيار الثقافة إلى الجهة المعاكسة تماماً، فهل لأنهم بعد أن اشْبِعوا بتلك القيم لم يعودوا يحسون بالحاجة إلى الدين الذي كرّسها في نفوسهم (كما يزعم البعض) [١]؟ أو لأن إمكانات العلم والتقنية الحديثة أطلقت شهوات البشر من عقالها الديني وجاء الفلاسفة يبرورن ذلك الانفلات (لانهم كانوا عادة يمثلون روح مجتمعاتهم والوجهة العامة فيها)؟ أو لأن الصراع بين الدين والعلم الذي سببه جمود الكنيسة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر انعكس على التيار العام للفلاسفة بحيث لم يعد الفيلسوف حكيماً إلا اذا تجرد عن الدين (كما كان الامر بعكس ذلك في القرون الوسطى تماماً)؟
وانّى كان السبب فإن فلاسفة القرنين الأخيرين، ساروا في الاتجاه المعاكس تماماً لحركة الأنبياء عليهم السلام. وكانت النتيجة انهم حبّذوا الكفر على الايمان، كيف؟
جوهر الكفر هو إنكار الشيء بما له من أبعاد وظلال وحقوق، بينما الايمان إعتراف به. واتجاه العلم الذي يجعل القيمة ذات الإنسان يكفر- في البدأ لا أقل- بكل شيء وراء الذات.
وفي الواقع إنما ينكر الإنسان شيئاً لكي ينكر حقه عليه ويتخلّص- بالتالي- من أي التزام نحوه، والفكر المادي سابقاً كان ينكر وجود الشيء لكي لا يلتزم تجاهه بحق. لأن الإنسان كان
[١] - يراجع فلسفة الأخلاق في البحوث الأخيرة.