التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٩ - ١/ خلاصة التأمل الأخلاقي اليوم
ولكن كيف يمكن تصور" أخلاق" إذن في مثل هذه الظروف؟ ... وباسم أيّ معيار يمكننا إقرار قيمة نعيّنها لكائن آخر هو بالتعريف (حسب سارتر) خالق حر للقيم؟
وهنا- في ظنّي- مشكلة" الكانتية" بكل صورها، ومنها الوجودية الملحدة، فاذا ألغينا الآخر (غير وجودي أنا) ينهار البناء الاجتماعي والأخلاقي ونصل إلى ذروة الفوضوية، وإذا اعترفنا بقيمة الآخر فما الفرق بينه وبين الوجود (الأحياء/ الجمادات و ..) ما دامت موجودة وكيف نفرّق بين الإنسان وغيره؟
المذاهب الأخلاقية في الميزان
١/ خلاصة التأمل الأخلاقي اليوم
بعد تطواف شيق حول نظريات المدارس المختلفة في الأخلاق يطيب لنا الاستراحة والتحقق حول ما قطفناه من ثمرات التأمل الأخلاقي عند كبار الفلاسفة، فماذا نجد فيها؟
نجد إنها ثمرات متشابهة تهدف غاية سامية، هي الخروج من الشهوات العاجلة للذات، إلى رحاب (غاية سامية) ان اختلفوا فيها فانهم يتّفقون في ضرورتها.
انها حالة من التجاوز الذي لا يكتمل الذات إلا به، حالة من الحب والبحث عن المثل الأعلى عن الخلق الجديد للنفس (وحسب التعبير القرآني اقتحام العقبة).
لا ريب في وجود تطلّع في النفس نحو الأعلى، فهل هو صدى نداء علوي، يفرض الخلق الرفيع؟ أصحاب المذاهب العلوية في الأخلاق، قالوا بلى؛ فالإنسان بكل أبعاده المادية والمعنوية، قطرة في نهر متدفّق، أو ومضة نور في شلّال ضوء باهر، وكل شيء فيه تعبير عن الكائنات، فليكن هذا التطلع صدى ذلك النداء الذي يحيط به من كل جانب. وهكذا يؤكدون النداء (العلوي) يمثل الأمر الفارض، بينما التطلّع الوجداني يمثل الضمير المسؤول (حسب التعبير القرآني: العقل أو النفس اللوّامة). وفي نظري أن الهوة تضيق بين فكرتي التطلع من العمق، والواجب من فوق، وعندما نهتدي- بتذكرة القرآن- نعرف أن الوحي يوقظ العقل، والعقل يصدق به. فالعقل هو الضمير المتطلع، والوحي هو الأمر الفارض.