التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥ - ما هو العقل؟
والسبل العقلائية للمعرفة، كفر بجدوائية هذهالأبواب الطبيعية للمعرفة، وصنع لنفسه هرماً من الأقيسة الرياضيّة لعلّه يقف عليها وينظر من قمتها إلى حقائقالأشياء. وكان مصيره بالتالي الجهل العميم الذي يقول عنه الإمام علّيعليه السلام: (من ادّعى من العمل غايته، فقد أظهرمن الجهل نهايته) [١].
ومن هنا ينبغي التخلص من غرور الجهل والإعتراف بحدود النفس في مجال المعرفة، لأنه كما يقول أمير المؤمنينعليه السلام:
(غاية العقل الإعتراف بالجهل) [٢].
وكما أن الكمال المطلق لا يوجد في المخلوق، كذلك العلم المطلق، حيث لا يعلم الغيب إلّا اللَّه؛ حيث يقول ربّنا لرسولهالأكرم: وقُل ربِّ زِدني علما.
والذين يدّعون العلم المطلق يخلطون بين العلم والجهل، ويضلون السبيل، بينما الذين يعرفون قدر أنفسهم يضعونحدّاً واضحاً بين ما يعلمون وما يجهلون.
ولعل مراد الدين منا، هو تزويدنا بفرقانٍ نعرف به الحقّ والباطل، ونميّز بين ضياء العقل ووساوس النفس. ولذلكأمرنا باتّباع العقل حتى في معرفة الدين وأحكامه، بينما نهانا عن اتباع الرأي واستخدام القياس، وحذّرنا من القولبغير علمٍ والإفتراء على اللَّه.
ما هو العقل؟
ماذا يهديك إلى النور، أليس النور ذاته؟ كذلك عقلك يهديك إلى ذاته، وهل يبصر أحدنا عينه بغير عينه؟ فيجبإذاً- ان لا نبحث في الظلمات عن النور، لأنّنا لن نجده هنالك، بل سوف نزداد عنه ضلالًا.
كذلك ضلَّ أكثر الناس عن العقول، فلم ينتفعوا بهذه الموهبة الإلهية إلّا قليلًا. وترى بعضهم ينكر عقله أساساً، ويحتجُّ على إنكاره ببعض الحجج، ولا يدري أنّ احتجاجه ذاته دليله إلى عقله. وكيف يتسنىّ لمن لا عقل له أنْ يحتجّعلى شيء بشيء؟
[١] - الحياة، ج ١، ص ٦٦.
[٢] - المصدر.