التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٦ - تمهيد
وهكذا في الإسلام، فإذا كانت الشريعة الاسلامية تهدف بناء مجتمع أمثل، فما هو الهدف العام لهذا المجتمع، وما هي الغاية الأسمى لدستوره ولقوانينه؟ بتعبير آخر؛ ما هو الإطار العام للمجتمع الإسلامي، ذلك الإطار الذي يتناول بالاضافة إلى الجانب التشريعي للمجتمع، الحقول التربوية والاخلاقية والعرف والعادة؟ والإطار العام للمجتمع إنما يعرف إذا عرفنا من هو الانسان؟ وما هو سر وجوده في هذه الدنيا؟ وما هو هدف حياته؟ وما هو مصيره؟ وكيف يعيش عيشة فاضلة راضية؟ بل إذا عرفنا ما هي الكائنات ولماذا خلقت؟ لأن الإنسان جزء منها.
وفي الواقع تعتبر هذه الاسئلة مفتاحاً لمعرفة حقيقة الدين، بل ومفتاحاً لمعرفة أفكار الفلاسفة لأنها محور أهم بحوثهم.
ويجد الباحث بعض الصعوبة في دمج هذه الحقول ببعضها واستخلاص نتائج واحدة منها، خصوصاً بعد الفصل القسري الذي جرى بينها بعد تقسيم العلوم والفصل بينها، ووضع حواجز بين موضوعاتها؛ وحتى من قبل دارسي الشريعة، حيثجُعِلت الوصايا الاخلاقية كأنها لا تتصل بالفقه، ودُرِسَت العقائد بصورة نظريات لا تتصل بالحياة. أما الأحكام فقد دُرِسَت وكأنها بلا أهداف، وحتى العلل المنصوصة في الشريعة (وما أكثرها) فقد قيل بأنها مجرد (حِكَم) وأنها لا تتصل بالبحوث الفقهية. بينما الحقيقة غير ذلك تماماً، لأن الدين بنيان رصين يعضد بعضه بعضاً؛ فمثلًا حين ندرس الوصايا الاخلاقية في مصادر الوحي، أي الكتاب والسنة، نجدها حافلة بالقيم السامية المستوحاة من العقائد كما نجدها تذكرنا بالأحكام الفقهية. فهل نعتبر هذا المنهج (الذي قام عليه الكتاب وكلمات النبي والأئمة عليه وعليهم السلام) [١] خاطئاً، بينما نعتبر منهج الفصل بين العقائد والأخلاق وبينهما وبين الفقه، أو الفصل بين الكتاب والسنة هو الصحيح؟! كلا.
إن العودة الى المنهج الشمولي هي الضمانة الأكيدة لفقه الشرائع ومعرفة الأحكام الدينية، وبالذات في المتغيرات (الحوادث الواقعة) والتي أصبحت تشكل نسبة كبيرة من المعضلات الفقهية.
[١] - تجد هذا المنهج في كتاب تحف العقول، الذي جمع فيه العالم المحدث حسن بن شعبة أهم وصايا النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام، كما نجده في كتاب الروضة من موسوعة بحار الأنوار.