التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦ - ما هو العقل؟
فالعقل يكشف ذاته بذاته، ولا يحتاج أحدنا إلّا إلى التذكرة به، واستثارته كالمصباح الذي رانت عليه الأوساخيكفيك أنْ تنظّفه لتراه ثم ترى الأشياء به.
ومما لا ريب فيه، أن العقل موهبة عظيمة، وغفلة الإنسان عنها هي المسؤولة عن ضلاله وجهله، كما لو سدّ الإنساننافذته عن الشمس، أو سد عينه، أفيرى شيئاً؟!
وهكذا تكون الثقة بالعقل مفتاح المعارف، لأنّ مَنْ يشكّ في عقله يغفل عنه، ويهمل الانتفاع به.
والثقة بالعقل، تعني اكتشاف الإنسان لذاته، لأنّ عقل الإنسان أعظم ما فيه، وهو يرفد كل كمال وجمال. والمنهجالسليم لاعادة الثقة بالعقل بعد التذكرة به، التعرُّف على الحقائق التي لا تحصى التي تعرَّفنا عليها بالعقل، وقياس أنفسنابمن لا عقل له، وقياس ذوي العقول بغيرهم؛ وقياس حالاتنا المختلفة ببعضها لنعرف مدى الفرق بين حالتي التعقلوالجهالة، وكذلك بين حالتي العلم والجهل، أليس من يعيش في صحراء مضاءة بنور الشمس لا ظل فيها ولا ظلام، قديغفل عن مصدر النور، ويظن أن النور حالة طبيعية في ذرات التراب، فإذا غابت الشمس هنالك يعرف قيمة الشمس؟
وحين نتدبَّر في القرآن والسنَّة نجد أنّ هذا هو المنهج الذي اتّبع فيهما، سواءً في التذكرة بالعقل أو بتنمية ثقة الإنسانبه.
والوحي إثارة للعقل وتذكرة به، وقد خلقه اللَّه من نورٍ مخزونٍ مكنونٍ عنده فأكرمه وحّمله المسؤولية، حين قال له: (بك أُثيب وبك أُعاقب).
وقد فصّل قادة الإسلام القول في العقل، كما فعل الإمام الكاظمعليه السلام في وصيته الحكيمة لهشام بن الحكم حيث بيّنفيها دوره في تلقّي الحقائق من الوحي، وبيّن كيف أنّه يكتمل بالعلم والخُلُق الفاضل، وأنّه حجة اللَّه ورسوله في الباطن، وأنّه لا يختلف عن الوحي شيئاً [١].
[١] - للاطلاع على نص وصية الإمام الكاظمعليه السلام راجع الجزء الأول من هذه الموسوعة (التشريع الإسلامي، مناهجه ومقاصده)، ص ٢٠- ٣٥.