التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٦ - التعقل
وإنما ذكر الوحي بالآيات لقوم يعقلون، فهم ينتفعون بآية الشمس ويهتدون بها الى ربهم، وبآية الدورة الحياتية للنبات وما أسبغ الله بها على الانسان من نعم، وإذا مروا بآية في الأرض مثل آثار القرى الظالمة التي دمرت اعتبروا بها أو إذا ركبوا البحار وسارت بهم السفن في أمواجها تذكروا ربهم- قدرته ورحمته-، وإذا نظروا الى آفاق السماوات وشاهدوا حركة الأفلاك استوعبوا حكمة الخلقة وأسرارها.
وقلب العاقل كما زيت صاف يتقد عندما يمسه نور الوحي، وأول ما يتذكر به التفكر في أطوار خلقه منذ أن كان نطفة في قرار مكين حتى أصبح شيخاً كبيراً، وبلغ أجله المسمى، وعرف أن تطورات حياته آية عبوديته لربه. ثم ينظر الى آيات الله في الارض كيف يحييها الله من بعد موتها، فيتقد مصباح عقله بتذكرة الوحي.
وحقائق الايمان هي محور تذكرة الوحي، ووعي العقل. فالتوحيد يذكر به القرآن؛ مثل: هل أنت ومن تملكه سواء فيما أعطاك الرب؟ فكيف يكون الله الخالق ومن خلقه سواءاً في تدبير الكائنات؟ والرسالة يستوعبها العقل من خلال تذكرة الوحي بأن الرسول لم ينطق خلال عمره السابق بالقرآن، وأنه لا يطالبهم بأجر فكيف لا يكون رسولًا؟ والايمان بالآخرة يعقله المرء من خلال تأمله في الدنيا التي ليست هي إلّا لهو ولعب، فكيف تكون هي الغاية؟ وهكذا يثير الوحي ذخائر العقل حتى يشهد الحقائق الايمانية شهود عيان.
ولله في خلقه سنن جارية يعرفها العقل بالنظر في تاريخ الغابرين، وإنما يذكر الوحي عقل البشر بما مضى من تاريخهم، ويذكر القرآن بقصة الذين أضلهم الشيطان ويحذرهم من عبادته، وينبه العقول بمدى عداوته للانسان.
إنما أصول الشريعة مرتكزات عقلية، والوحي يستنطق البشر فيها، فكلما بَيَّنَ حكمة أو أمر بوصية نبه الانسان الى عقله. فقد حذر الوحي عن الشرك، وقتل الأولاد، والفواحش، وقتل النفس التي حرم الله، كما أمر ببر الوالدين، ثم ختمه بقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (الانعام/ ١٥١).
وأمر الله بجملة وصايا فيما يتصل بالعلاقات الأسرية والاجتماعية، ثم ختم الكلام بقوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الايَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (النور/ ٦١).
وهكذا كان من حكم الوحي تنمية العقل. والتقوى ميراث العقل، وأمر الرب تعالى بها أولي الألباب، لأنهم يعقلون. ومن هنا كانت حسرة أهل النار أنهم ما كانوا يعقلون، وكان الجهل سبب ضلالة الكفار بسبب اتباعهم الآباء، وكان الرجس (واللعنة) من نصيب الذين لا يعقلون.