التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧١ - ٤/ نقد الافلاطونية الجديدة
أما الشر فهو بالتالي الابتعاد عن" الالهي" الأصلي، وأفدح من ذلك الإنغلاق داخل هذه" النهائية" وهذا الانحطاط وارتضائهما. وأما طريق الخلاص فهي في حركة" تحول عكسي" هي عودة الروح تدريجياً نحو الإله، حتى يتم استغراقها فيه من جديد.
أولًا: أساس مدرسة افلوطين قائم على نظرية الفيض التي ترى ان العلاقة بين الخالق والكائنات هي العلاقة بين الشمس وشعاعها، والبحر وقطراته، وهي نظرية باطلة، إذ أنها تكفر بقدرة الخالق على الخلق، وبأي علم وتدبير له (إذ النظرية ترى أن صدور المخلوق من الخالق يتم بغير إرادة منه، وحتى بغير وعي) وتكفر بقدرة الله على تغيير الكائنات وعلى إعادتها بعد فنائها (البعث).
وهي أساساً مجرد فرضية لا دليل عليها، بل ادلّة الوجدان تهدينا إلى خلّاقية الرب، ومالكيته وعلمه وقدرته سبحانه.
كما أن في الكائنات، آيات المخلوقية والمعبودية له سبحانه، وتهدينا تلك الآيات إلى انها كائنات مخلوقة، وليست من ذات الالوهية، كما تهدينا إلى أن خالقها خلوّ عن صفاتها.
ثانياً: حركة المخلوق إلى سماء الخالق تعتبر قيمة سامية، ولكن لن يتم استغراقها فيه، فهي حركة دائمة لا تنتهي إلى نقطة الاندماج، وبالتالي ليست هناك نهاية لتقدم البشر.
ثالثاً: الفضائل التي نعتها افلوطين بالمتواضعة هي- في الواقع- أصل فضائل الإنسان (التعفّف- العدالة). بينما تلك الفضائل التي نعتها بالتأمل عبر العين الداخلية، ليس إلا صدى قيمة الجمال التي اعتبرتها مدرسة اثينا إحدى القيم الثلاث، بالاضافة إلى النظام والعقل.
رابعاً: إن قيم الحياة الدنيا ليست عبثاً، وعلينا أن نهتم بها كما نهتم بالقيم العليا، لأن كلتا المنظومتين من القيم تشتركان في أننا نحس بها وننتفع بها، بالرغم من أن الحياة الآخرة أهم من الحياة الأولى، لما فيها من الخلود والعمق، حيث يقول ربنا سبحانه: وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [١] إلا أن الحياة الدنيا تتسم بأهمية الحضور الفعلي، وبأنها تمهيد للآخرة، فهي بمثابة المرزعة، وتلك بمثابة الحصاد؛ بل ان الحياة الثانية ليست سوى امتدداً للأولى. فأيّ مذهب يتجاهل الحياة
[١] - الأعلى/ ١٧.