من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٤ - إن هذا لهو البلاء المبين
فإذن الوسائط في معرفة القرآن أولًا في المعرفة العميقة التخصصية، وثانياً ليست هي الثقافة البشرية، وإنما المعارف الإلهية بتعليم محمد صلى الله عليه واله وآل محمد عليهم السلام.
[١١٨] هنا نعمتان متدرجتان تتواليان على المؤمنين إحداهما توفير فرصة الهداية بإنزال الوحي، والأخرى هداية الله لهم بعد تقبلهم للوحي والتزامهم بشرائعه. وإذا كانت النعمة العامة تعم الناس جميعا إذ إن ربنا يبعث إلى كل قرية نذيرا فإن النعمة الأخرى تخص المؤمنين فقط، ولذلك خص ربنا موسى وهارون بالهداية قائلا وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ.
[١١٩- ١٢٠] ويوصل الله سياق الحديث عن موسى وهارون بالسياق العام للسورة، الذي يحدثنا عن جزاء عباد الله المخلصين والمحسنين، وذلك من خلال الإشارة إلى جزائهما وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ولا يمكن لأحد أن ينكر دور الإرادة الإلهية في تخليد ذكر هؤلاء الأنبياء الذين مر على وفاتهم آلاف السنين، فلولا ذكرهم الذي تضمنته رسالات الله، هل كان أحد في هذا العصر يعرف هذه التفاصيل عن حياتهم؟ و أكبر دليل أننا لا نعرف عن حياة الأنبياء الآخرين الذين لم تتعرض لذكرهم الرسالات شيئا مع أن عددهم (١٢٤٠٠٠) نبي ورسول، ويؤكد القرآن في سورة هود ذلك بعد أن يذكر قصة نبي الله نوح عليه السلام ويقول تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود ٤٩].
إن أحداث التاريخ كانت تتلاشى من ذاكرة البشر وكل جيل يأتي ينسى جزءا منها حتى تنتهي تماما. إن البشرية لفترة ليست بالبعيدة لم تكن قد وصلت إلى التقدم العلمي الذي يمكنها من المحافظة على كل ذلك، بالإضافة إلى أن كثيرا من الأقوام كانوا يتعرضون للانقراض والهلاك الجماعي فيموت معهم تاريخهم، إن علم الآثار القائم اليوم يطلع علينا كل حين بمعلومات عن أقوام لم تكن البشرية تعرف عنهم شيئا، ولكن الله يخلد ذكرى الأنبياء العظام بفضله ويترك السلام عليهم يتوالى ليل نهار. ونعود للآية لنتساءل ماذا ترك ربنا على موسى وهارون؟
أولًا: إن الله حافظ على رسالتهما في الحياة، إذ أبقى مشعل الهداية الذي تحمَّلا الجهاد به والدعوة إليه، يتلقفه الصالحون من ورثتهما على طول التأريخ دون أن يسقط يوما.
ثانياً: جعل ذكرهما الحسن يطبق الخافقين ولا يزال إلى الأبد.
[١٢١- ١٢٢] ولأن الله ذكر هذه القصص توضيحا وتأكيدا للحقيقة المحورية في هذه السورة عاد ليؤكدها، وتلك الحقيقة هي أن العاقبة للمحسنين. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ولا بد أن نلاحظ بأن هذه الآية تأتي بعد ذكر