من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٨ - أم نجعل المتقين كالفجار
الحكمة البالغة تتجلى في أصغر شيء خلقه الله، في النحلة والنملة، في الشعر والوبر، في الخلية الواحدة، في الذرة الواحدة، في البروتون والإلكترون. فكيف لا تتجلى الحكمة في مجمل خلق السماوات والأرض؟! أم كيف يخلقهما الله باطلا بلا حكمة بلا هدف بلا تقدير؟! سبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لأنهم قيمَّوا الحياة بأفكار الكفر المسبقة لم يهتدوا إلى الحق. ومع ذلك لم يصلوا في نفيه إلى حد قطعي (العلم) لأنهم أينما نظروا وإلى أي شيء منها وجدوا فيه آثار القدرة والحكمة. فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ لأن الله خلق السماوات والأرض بالحق، فإنه لن يدع الكفار سدى بل لا بد أن يجازيهم بأعمالهم التي تجاوزت كل حد معقول في مخالفة الحق بل لهم الويل والثبور.
[٢٨] وتبيانا لهذه الحقيقة يهدينا الرب إلى أن سُنَّة الحق القائمة في كل شيء مخلوق تأبى تساوي المتقين الذين يتجنبون العذاب، وأسبابه وعوامله. والفجار الذين لا يبالون أي واد يقتحمون، وأي ضلالة يتيهون فيها، وأي جريمة يرتكبونها. أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وبذلك كسبوا الحسنات. كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ ويبدو أن تخصيص المفسدين بالذكر ينسجم وقصة داود عليه السلام المتمثلة في شروط خليفة الله في الأرض. وأن الخليفة الشرعي ليس كل من ملك الأمور بالقوة، إنما الذي يملكها بالحق. و لهذا لا بد من التفريق بين حاكم وحاكم، خلافا لما ذكره البعض من أن الحاكم الشرعي هو الذي حكم بالسيف، سواء كان مصلحا أم مفسدا، والواقع أنهم أرادوا تبرير مواقفهم من بعض أحداث التأريخ ورجاله، فهم يؤمنون بأن عليا عليه السلام ومعاوية سواء، بينما يرفض ذلك منطق القرآن. هل الإمام علي عليه السلام الذي يطوي نهاره صائما وليله قائما عابدا، ويتقاسم قوته مع الفقراء، بل ويؤثرهم على نفسه وعياله مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً [الإنسان: ٨]. ويعدل في الرعية يستوي هو والذي يغتصب حقوق الآخرين، ويسفك دماء الناس، ويتلاعب بمقدرات الأمة؟! كلا .. إن السلطة سلاح ذو حدين، فهي إذا تسلمها المؤمنون تصبح وسيلة للإصلاح والإعمال، أما لو كان العكس، فإنها، تمسي معولا يهدم المنجزات ويحطم الطاقات. وربنا في هذه الآية لم يقابل الَّذِينَ آمَنُوا بجماعة معينة كَالْفُجَّارِ مثلا، إنما قابلهم بالمفسدين في الأرض، ليبيَّن لنا بأن كل سلطة غير سلطة المؤمنين هي مفسدة في الأرض. أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ إن ذلك لا يصح ولا يكون ما دام الحق هو أساس الحياة ومقياسها. إلا أن تتبدل هذه المعادلة، وهذا ليس إلا في ظن الكافرين.
[٢٩] والحق يتجلى في السماء والأرض وما بينهما. وآيات القرآن هي التجلي الآخر للحق، ومن تدبر في القرآن وجد أنه الكتاب الناطق بما يجد في آيات الخليقة، فإذا أعد قلبا واعيا تبصر أنه كتاب أنزله خالق السماء والأرض، لأنه ليس سوى صورة صافية للخليقة.