من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٧ - سبحان ربك رب العزة عما يصفون
النفوس، حيث تتفاجأ بألوان من العذاب لم تتوقعها أو تحسب لها حسابا.
[١٧١- ١٧٢] إن تشبث فئام من الناس بمختلف التبريرات كالأفكار الجبرية، والانتظار الساذج للفرار من مسؤولية الإيمان بالرسالة يجب أن لا يوهن الرساليين أو يسلبهم الثقة بنصر الله لهم، لأنه سبحانه أراد الانتصار لمبادئه ولمن يؤمن ويلتزم بها، ولو كان ظاهر الحياة هو تسلط الطغاة المنحرفين، فإن الله غالب على أمره، وما سيطرتهم إلا محدودة. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ فليس كلام الله عن نصرهم شيئا جديدا، إنما هو قديم سبقت بواقعيته أحداث التأريخ، فما من رسالة إلا وأظهرها الله، نعم. قد يقدم أصحابها شيئا من التضحيات، أو يطول بهم الانتظار برهة من الزمن. لكن العاقبة تكون في صالحهم ونجاح مسعاهم، ويلاحظ توالي التوكيدات اللفظية على ذلك في هذه الآية وفي التي تليها أيضا.
[١٧٣] وهذا النصر لا يختص بالأنبياء شخصيا، إنما ينتصر كل من يمثل جبهة الحق، ويحمل مشعل الرسالة الإلهية على امتداد التأريخ وفي كل أفق. وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ وجند الله هم المؤمنون.
[١٧٤] ولكن متى ينصر الله عباده المؤمنين؟
ينصرهم حينما ينفصلون ويتميزون عن الكفار والمنافقين. ماديا ومعنويا، لهذا جاء الأمر الإلهي للرسول بذلك. فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِين والحين هنا يعني الوقت الذي يأتي فيه الأمر للرسول والمؤمنين بالهجوم عليهم وقتالهم، في ظل رعاية الله ونصره.
[١٧٥] وفي الأثناء التي ينفصل المؤمنون المجاهدون عن الكافرين والمنافقين بالهجرة- مثلا- ينبغي لهم أن يراقبوهم، ويكونوا شهودا على الواقع، وكل حركة تنشد التغيير لا بد لها من مراقبة الواقع، و دراسة العدو. وَأَبْصِرْهُم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ إنهم- بدورهم- سوف يرون العذاب ويلاقونه من عند الله أو بأيدي المؤمنين. وفي الآية معنى التوكيد على العاقبة لرسل الله وجنده، فكأنها أمام أعين الجميع يبصرها الصالحون فيفرحون بها، ويبصرها الكفار فيزدادون بها غيضاً وحنقا.
[١٧٦] وعذاب الله لا يأتي للإنسان حسب تمنياته، حتى يحتج الكافرون على كذب الرسالة بأنهم تحدوا الله، فلم يرد عليهم، كلا .. إنما يرسل ربنا العذاب حسب حكمته سبحانه. أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ وماذا يستعجلون من عذاب الله، إنه الدمار الشامل، والهزيمة الماحقة، والنار المحيطة، والهوان الأليم.