من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦١ - سبحان الله عما يصفون
[١٤٧] وهكذا نهض يونس من مرضه ليمارس عمله الجهادي من جديد بوحي من الله عز وجل، الذي بعثه ليعيد التجربة مع قومه. وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ولم يحدد القرآن عدد هؤلاء بالضبط، لأن المجموعة البشرية المتواجدة في منطقة ما، تزيد وتنقص لعوامل مختلفة من بينها الولادة والموت، ومن بينها الهجرة من المجتمع وإليه.
[١٤٨] وحينما عاد يونس عليه السلام إلى قومه هذه المرة نجح في تغييرهم. فَآمَنُوا وصاروا مثلا للأمة التي استفادت من تجربتها السلبية في ارتقائها وتقدمها، فقد حدَّد قوم يونس عليه السلام وهم يرون العذاب على الأبواب المسؤول عن هذا الواقع، فلم يبرَّروا لأنفسهم ولم يعاندوا، إنما تحملوا المسؤولية وتواضعوا للحق فرفعهم الله وأرسل عليهم الخير والبركة. وليس بالضرورة أن يكون العذاب غماما ولا خسفا من غضب الله، فقد يكون هو التمزق والفقر والتخلف والمشاكل النفسية والاجتماعية، وكلها موجودة الآن في واقع الأمة الإسلامية، وواجبها أن تغيِّر واقعها ليغيِّر الله ما هي عليه من التخلف إلى التحضر والازدهار. ولا يكون ذلك إلا بالإيمان، فهذه أمة يونس عليه السلام يحكي الله عنها إذ آمنت قائلا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ فلم تبق هذه المتعة والبركة طويلا، لأنهم لم يحافظوا على عاملها الأساسي وهو الإيمان فهم ظلوا في متعتهم إلى حين وجود الإيمان بينهم.
[١٤٩] وبعد أن يختم ربنا قصص الأنبياء التي أكد فيها على عبوديتهم له نفيا لادعاء المشركين بأنهم آلهة، وذلك من خلال الآية الكريمة إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ، التي تمثل عاملا مشتركا بين القصص كلها، ينفي من الجانب الآخر مجموعة من التصورات التي اختلقها المشركون حول الملائكة والجن، وأهمها زعمهم بأنها نسب لله عز وجل كوسيلة لتأليهها. ونجد في السياق أمرا من الله إلى رسوله باستفتاء المشركين في ذلك. فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمْ الْبَنُونَ والاستفتاء هو أخذ الفتيا والرأي.
[١٥٠] ولو سألهم الرسول لقالوا بلى، ولكن على أي دليل يستند قولهم، هل شاهدوا خلق الملائكة؟ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ الذي يرى شيئا بعينه يمكنه أن يدَّعى صدق ما رآه، ويكون ادعاؤه منطقيا، بينما لم يشهد هؤلاء خلق الملائكة حتى يعرفوا ماهيتها، وهذه الآية تنسف فكرة الجاهلية من الأساس حول الملائكة، حيث تُهدينا إلى أنها مجرد ظن لا دليل عليه وبعبارة، إن في هذه الآية وما يليها إشارتين مهمتين
الأولى: أن الادعاءات بدون سند وبرهان هو محض الجهل. وكثير من تخرصات البشر هي في أمور لم تصل معارفهم ومناهجهم لها.
الثانية: أن الأنوثة والذكورة من خصائص الكائنات الحية المعهودة في عالمنا. ولا يصح