من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٠ - إن هذا لهو البلاء المبين
هدى من الآيات
في هذه المجموعة من الآيات يذكِّرنا الله عز وجل بالمعنى الحقيقي للإخلاص، وهو أن يكون الإنسان بعيدا عن العوامل والضغوط المضادة للحق، ويضرب لنا على هذه الفكرة أمثلة في حياة الأنبياء، كإبراهيم وولده إسماعيل، وكإسحاق، وموسى، وهارون عليهم السلام وهكذا من حياة الأنبياء الآخرين، من بني إسرائيل الذين انتخبهم الله بعد أن عرَّضهم لأصعب الامتحانات والفتن، فوجدهم صالحين صادقين مخلصين.
وبالرغم من أن كل نبي تعرض لفتنة خاصة، إلا إنهم يشتركون في بلاء عام واجهوه جميعا بصلابة الإيمان والمعرفة بالله، وتحدي الأوضاع الاجتماعية والسياسية المنحرفة في مجتمعاتهم، فضغط الاجتماع على الإنسان وشعوره الداخلي الذي يسوقه نحو التكيف مع الآخرين، من أهم وأخطر الضغوط التي يواجهها في الحياة، وهذا ما جعل بعض العلماء يدعون لعبادة المجتمع، أو ما يسمى بالحتمية الاجتماعية، وحتى الذين يقولون بالحتمية الطبقية، أو الاقتصادية، أو ما أشبه فإنهم ليسوا بعيدين عن القول بهذه الحتمية، والفارق أن هؤلاء يركزون في نظرياتهم على جانب منها، بينما يؤكد بعض علماء الاجتماع على كافة أبعادها، ونحن لا نسميها حتمية، بمقدار ما نسميها عصرا وضغطا من قبل المجتمع على الإنسان.
فالمجتمع في بعض الأحيان يعصرك، ويضغط عليك باتجاه يتناقض مع طاعة الله، والأهداف التي نتطلع إليها، وواجبك تحدِّيه بالإيمان والتوكل، وأن تعرف بأن عنوان نبوة الأنبياء والمرسلين، وأبرز أعمالهم هو تحديهم للواقع الاجتماعي الفاسد، وأن نجاحهم في هذا التحدي هو سبب ارتقائهم، ولهذا أيضا نجد القرآن الحكيم يؤكد على هذه الحقيقة في كثير من سوره وآياته.
بينات من الآيات
[١٠٦] النبي إبراهيم عليه السلام جاء لكي ينسف عادة جاهلية كانت شائعة ذلك اليوم وهي ذبح الأبناء أمام الأصنام تقربا لها، وما كانت هذه العادة مقتصرة على فلسطين وحدها، ففي مصر أيضا كانوا ينتخبون ملكة الجمال من بين بناتهم ليلقوا بها مع بداية الربيع في النهر الذي كانوا يقدسونه لتذهب ضحية عقيدة جاهلية. تقول: بأن إله البحار يريد أن يتزوج، فلا بد أن نختار له أجمل بناتنا لكي تهدأ المياه ولا يحدث فيضانا يخرب بيوتنا ويهلك مزارعنا.
وهذه العادات ليست بعيدة عن واقعنا المعاصر، لأنها مهما اختلفت في ظاهرها تلتقي في