من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢ - إنا كذلك نجزي المحسنين
[٨٠] لقد استجاب الرَّب لنوح لأنه كان محسنا. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وهذا الجزاء سنة إلهية ذلك أن من يحسن للناس يذكره الناس بالمدح والخير، فكيف وقد أخذ الله على نفسه أن يجزي المحسنين بذلك؟
والملاحظ أن الله وبعد ذكر هباته لنوح عليه السلام الذي جعله مثلا للعبد المخلص وهي، استجابة دعائه، و نجاته وأهله والمؤمنين معه، وجعل البشرية من ولده والنبوة فيهم، وإخلاده بالذكر الحسن على ألسن الناس، ذكرنا بصفة الإحسان فيه، وذلك ليطلعنا على التفسير الحقيقي للإخلاص بأنه المنطلقات التوحيدية الخالصة، التي تتحول إلى سعي وعمل يتجاوز القيام بالواجب إلى الزيادة والإحسان.
[٨١] والإيمان بالله هو أعظم دافع للإنسان نحو الإحسان، وهكذا نعت ربنا نوحا عليه السلامبعد الإحسان بالإيمان لأنه أصل كل خير وفضيلة فقال إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ والمؤمن لا يتخوف من البذل والإنفاق للآخرين في سبيل ربه، لأنه يعلم بأن كل ما ينفقه سوف يعود عليه أضعافا مضاعفة ويزداد إحسانا كلما تعمق إيمانه بأن مستقبله في الدنيا والآخرة رهين عمله وتضحياته. إن السبيل إلى الإحسان، الذي هو الطريق إلى المكاسب الجسيمة، كالتي ظفر بها نوح عليه السلام، هو الإيمان بالله عز وجل وبجزائه الأوفى.
[٨٢] ثم إن المنجي الحقيقي لنوح ومن آمن معه لم تكن السفينة التي صنعوها، فلو أن الكافرين ركبوا سفنا أكبر وأفضل منها، لم تكن لتنقذهم من الغرق في موج كالجبال، وماء منهمر كالأنهر من السماء، إنما نجوا بإيمانهم الذي تميزوا به عن غيرهم، وإنما أمر الرَّب نبيه والمؤمنين بصنع الفلك، إثباتا لمسؤولية الإنسان في الحياة وتأكيدا لها، وإلا فإنه قادر على إنقاذهم بكلمة من عنده. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ وهم الكفار.
[٨٣] ثم يأتي لنا القرآن بمثل من الآخرين، الذين ترك فيهم سلاما على نبيه نوح عليه السلام، وهم الذين جسدوا امتدادا لرسالته في البشرية عبر التأريخ، من الأنبياء والرسل، والصالحين. وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإٍبْرَاهِيمَ والشيعة هم الذين يتبعون شخصا أو خطا ما، فيقال لهم شيعة فلان. وقال المفسرون: إن الضمير في شيعته يعود إلى نوح عليه السلام، فيكون المعنى أن ممن سار على دربه كان إبراهيم عليه السلام. وقال آخرون: إنه يعود إلى النبي محمد صلى الله عليه واله والواقع أن التشيع للحق ومتابعة رسل الله واحد، فسواء نسب إلى نوح عليه السلام أو إلى محمد صلى الله عليه واله أو إلى أوصيائه الطاهرين فإنه نهج واحد وصراط مستقيم، إذ الكل ينطق عن الله تعالى.
[٨٤] والقرآن يبين المعنى الحقيقي للتشيع، الذي هو رفض الجبت الداخلي بالتوحيد