من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٣ - ألا إن الظالمين في عذاب مقيم
أكثر المفكرين والمبتكرين في كلامهم عن كيفية وصولهم إلى المعرفة، وإن كانت مذاهبهم تختلف في تفسير ماهية الإلهام ومصدره.
وفي النصوص الإسلامية نجد بيانا لحقيقة العلم، ففي سورة العلق نقرأ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ١- ٥]. إذن فالقراءة وهي إحدى طرق العلم والمعرفة لا تكون إلا بالله الذي يتكرر ذكر اسمه في أول كل سورة تذكيرا بذلك، والحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام يقول
[لَيْسَ العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ إِنَّمَا هُوَ نُورٌ يَقَعُ فِي قَلْبِ مَنْ يُرِيدُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَهْدِيَهُ فَإِنْ أَرَدْتَ العِلْمَ فَاطْلُبْ أَوَّلًا فِي نَفْسِكَ حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ وَاطْلُبِ العِلْمَ بِاسْتِعْمَالِهِ وَاسْتَفْهِمِ اللهَ يُفْهِمْك] [١].
وحينما نعود إلى تجاربنا الشخصية في الحياة والى وجداننا وفطرتنا نكتشف بأن العلم ليس من ذات أنفسنا، كما أنه ليس من ذات الأشياء، وإنما هو حالة في قلوبنا مستجدة، وبالرغم من وجود إثارات خارجية له إلا إنه غير تلك الإثارات، بل مثله مثل العين التي تثيرها الأشياء بما فيها من أنوار إلا أننا لو لم نملك عينا لم تنفعنا إثارة الأشياء أبدا، كذلك الإثارات التي تبدو عندنا أسبابا للعلم فمن دون حالة العلم لما نفعتنا شيئا. إذا العلم من عند الله.
الثاني: من الذي جعل لكل شيء علامة تدل عليه، أوَليس الله؟ كما العين تبصر ولكن بشرط وجود النور المنعكس من الأشياء عليها، كذلك العلم يكتشف الحقائق بشرط وجود دلالة منها عليها، والله هو الذي جعل لكل شيء دلالة عليه. وكل شيء يكشف عن نفسه من خلال إمارات وعلامات ظاهرة، فآبار النفط، وعيون الماء، والمناجم، جعل الله لها جميعا آية تدل عليها، فمثلا قديما كانوا يكتشفون المياه بواسطة غصن أخضر يمشون به في عرض الصحراء، فإذا مال إلى جهة ما تأكدوا من وجوده فيها. من الذي جعل هذه العلاقة بين الغصن والماء؟ إنه رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه: ٥٠]. والأمارات والآيات التي أودعها الله في الخلق بمثابة النور الذي يكشفها للإنسان، وقد قال رسولنا الأكرم صلى الله عليه واله
[إِنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً] [٢].
ولو أخفى الله شيئا، ولم يجعل بينه وبين علم الإنسان علاقة، فمن الذي يمكنه أن يهدينا إليه؟ وفعلا أخفى الله عن علم الإنسان أكثر مما أظهر.
الثالث: ولأن الإنسان يفقد قدرته على الرؤية والتمييز في بعض الحالات، كالغضب
[١] بحار الأنوار: ج ١، ص ٢٢٤.
[٢] بحار الأنوار: ج ٦٩، ص ٣٠٤.