من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٨ - وأمرهم شورى بينهم
التي ينقلها المغرضون، فيثيرون النزاع بين المؤمنين، فإنهم لا يقاومون الظلم في الواقع، لأنهم لن يستأسدوا إلا على الضعفاء، بينما يستسلمون للأقوياء، فهم كما قال الشاعر: (أسد علي وفي الحروب نعامة)، بينما المجتمع الفاضل هو الذي تسود علاقاته الداخلية فضيلة التعافي والإيثار، ويدَّخر قوته وغضبه لمقاومة الظالمين والجبابرة.
وما أحوجنا اليوم ونحن نعيش ظروف الصراع مع أعداء الدين إلى التعافي بيننا، ولو عرفنا ما في العفو من ثواب عظيم لاستصغرت في أعيننا المكاسب الجزئية التي ترتجى من صراعنا الداخلي أو انتصارنا من بعضنا البعض، هكذا جاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله
[عَلَيْكُمْ بِالعَفْوِ فَإِنَّ العَفْوَ لَا يَزِيدُ العَبْدَ إِلَّا عِزّاً فَتَعَافَوْا يُعِزَّكُمُ اللهُ]
[١]. ولعل العزة تأتي عبر انتصارهم على عدوهم بما يوفرِّه التعافي عن بعضهم من التماسك الداخلي، وربما تشير الرواية التالية إلى هذه الحقيقة، فعن الإمام أبي الحسن عليه السلام
[مَا التَقَتْ فِئَتَانِ قَطُّ إِلَّا نُصِرَ أَعْظَمُهُمَا عَفْواً] [٢].
[٤١] وينقض القرآن جانبا من الأفكار السلبية التي ينشرها البعض في الأمة، من قبيل أن مقاومة الظالمين والثورة ضد الانحراف هي السبب في اضطراب الأوضاع وانحسار الأمن، بينما السبب هو ظلم السلطة الحاكمة وانحرافها، فالظلم هو السبب في انعدام الأمن، وليس رد الظلم من قبل المجاهدين. وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ فلا يجوز إذن أن نلقي باللوم عليهم، لأنهم يطالبون بحقوقهم المشروعة، وبهذا يقطع القرآن الكريم ألسنة ضعفاء النفوس ومرضى القلوب الذين يقفون دائما مع القوي ضد الضعيف.
[٤٢] إذن فعلى من يقع اللوم؟ ومن هو المسؤول عن الواقع الفاسد؟. إنما المسؤول الأول عن مشاكل الصراع هم الحكام الظلمة الذين يريدون السيطرة على الناس ونشر الفساد. انَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ فالقوى الاستكبارية التي تسعى لبسط سلطانها الفاسد على الشعوب المقهورة هي المسؤولة عن مشاكل الشعوب ومآسيها، أما دفاع الناس عن أنفسهم وعن مصالحهم فهو جهاد مشروع لاسترداد الحقوق الضائعة .. والإرهاب والظلم والإفساد هو السياسة التي يقوم بتطبيقها المستكبرون والحكّام المرتبطون بهم، وليس ما يضطر إليه المصلحون والمدافعون عن حقوقهم من جهاد ملتزم بالضوابط الشرعية .. ويتوعد ربنا الطغاة بأشد العذاب. أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قد يرونه في الدنيا وربما يتأخر إلى الآخرة.
[١] الكافي: ج ٢ ص ١٠٨.
[٢] المصدر السابق: ص ١٠٨.