من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٦ - لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى
وإني أعتقد بأن كثيرا من أبناء الأمة الإسلامية قد أقروا عيني رسول الله صلى الله عليه واله، فالذين استشهدوا في صفين مع الإمام علي عليه السلام، والذين استشهدوا في كربلاء مع الإمام الحسين عليه السلام، و الذين دافعوا عن خط الرسالة على امتداد التاريخ وخلال (١٤) قرنا وحتى اليوم .. والمعذبون في السجون، وشهداء الحق، والمجاهدون في كل حقل، هم شهود على ما أقول. إنهم قدموا لرسول الله الأجر، وليس من الصحيح أن ننظر إلى الجانب السلبي من التاريخ، فليس من المنطقي أن نفتش في الليل عن الظلام فكل العالم ظلام، ولكن يبهر أبصارنا فيه نور القمر، ويلفت انتباهنا ضياء النجوم.
وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً توجد في هذه الجملة لفتة فنية بالغة اللطف والدقة تتركز في كلمة يَقْتَرِفْ، فهذه الكلمة عادة ما تأتي مقارنة للسيئة وليس للحسنة، حتى قالت العرب (الاعتراف يزيل الاقتراف)، فما هو السر في استعمالها هنا؟. إن الاقتراف معناه السعي المكثف للقيام بشيء صعب، وأصل الكلمة نزع لحاء الأشجار أو الجلد الإضافي من الجسم، ولعلها استخدمت هنا لأن السياق يهدي إلى طاعة أولي القربى ومودتهم وهي حسنة بالغة الصعوبة، فمن أجل تطبيق هذه الآية الكريمة أريقت دماء، وأطيحت برؤوس، فليس كل إنسان أهلا لأن يكون من أصحاب المودة.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ أي إن الله سوف يقدر هذا العمل البطولي الشجاع، ويغفر لصاحبه ذنوبه. وهكذا روي عن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام أنه قال
[فَاقْتِرَافُ الحَسَنَةِ مَوَدَّتُنَا أَهْلَ البَيْتِ]
[١]. كما روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال
[إِنَّمَا نَزَلَتْ فِينَا خَاصَّةً أَهْلِ البَيْتِ فِي عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالحَسَنِ وَالحُسَيْنِ أَصْحَابِ الكِسَاء عليهم السلام]
[٢]. وروي مثل ذلك عن ابن عباس.
وكلمة أخيرة: لماذا اختار الله أولي القربى لقيادة الأمة؟. هل لأنهم من صلب الرسول، وقد أراد ربنا إكرام نبيه العظيم بذلك، وإيتاء بعض أجره في الدنيا، ليبقى ذكره العطر فواحا في كل عصر، ولكي يتحقق بالتالي ما بشر ربنا به الرسول حين قال إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: ١]، ونهر أعداءه حين قال، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر: ٣]، فهذه سلالة الرسول تزين مجالس المسلمين في كل عصر!.
بلى، ولكن ليس هذا سبب اختيارهم قادة، لأنه ليس كل من انتسب إلى الرسول صلى الله عليه والهيصلح للإمامة، إنما كان أشخاص معيِّنون بالصفات والأمثال اجتباهم الله لإمامة المسلمين، وأشارت إليهم الآيات، وذكرتهم النصوص، وكانوا هم الأقربون إلى رسول الله نهجا وسلوكا،
[١] بحار الأنوار: ج ٢٣، ص ٢٥١.
[٢] بحار الأنوار: ج ٤٠، ص ٩٤.