من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٨ - وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا
غيره، أو يتحاكموا إلى قانون بشري ناقص، كلا .. إن ربنا مليك السماوات والأرض، ووحيه تجل لحاكميته التامة علينا، وأي تنكب عن ذلك شقاق وضلال.
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ما معنى العلو؟ وما معنى العظمة؟ العلي المرتفع في المكان، فهل الله موجود في أعلى قمة في الكون؟ كلا .. تعالى ربنا عن الحلول في مكان، وهو شاهد حاضر وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد: ٤]، والعظيم في اللغة مشتقة من العظم، وصاحب العظم الغليظ يسمى عظيما، فهل لله عظم سبحانه وتعالى؟!.
عند تفسير هذه الألفاظ القرآنية، وهكذا سائر أسماء الله يجب أن نأخذ الغايات ونترك المبادئ، ذلك أن لكل لفظة مبدأ يكسبها مدلولا حسيا ماديا، وغاية تعطيها مدلولا معنويا وقدسيا بالنسبة إلى الله، فإذا كانت كلمة العلي تدل على علو المكان حسيا، فهو يشير إلى السيطرة والتمكن، وربنا عليٌّ بهذا المعنى، كما أنه عظيم بمعنى القوة والشدة والهيبة. وإنما نستخدم هذه الألفاظ عند الحديث عن الله لسببين
الأول: عدم وجود ألفاظ بديلة تدلنا على تلك الغايات، وحيث يريد القرآن تقريب تلك المعاني المطلقة لأذهاننا المحدودة التي عجزت حتى عن الإحاطة بالخلق استخدم هذه الألفاظ.
الثاني: لكي لا ننبهر بمخلوق حاز شيئا من القوة أو الهيبة أو .. أو .. فنعبده من دون الله، فإذا بنا نخضع لفلان لأنه صاحب ثروة أو قوة أو جمال أو هيبة، بل نتذكر صاحب الملك والعظمة الحقيقي، وهو الله عز وجل الذي خلقه من بعد العدم فنسلم له أكثر فأكثر، وبتعبير آخر لا بد أن ننطلق في تقييمنا للحياة من الإيمان بالله، لأن كل ما فيها مخلوق له سبحانه، وإذا اشتمل على شيء من الحسن فهو قبس صغير من أسمائه الحسنى.
[٥] تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَ ربما يتصور البشر أن أقوى وأكبر شيء في الكون هو السماوات بعلوها وقصور علمه عنها، حتى إن علماء الفلك كلما أجهدوا أنفسهم في اختراع أنواع المناظر ذات القوة الهائلة اكتشفوا المزيد من الكواكب والمجرات حتى انتهى بعضهم إلى النظرية القائلة بتوسع الكون المستمر .. والقرآن هنا يهدينا إلى هذه السماء التي هي أعظم شيء في نظرنا تكاد تتفطر من خشية الله. ومع أن السماوات جمع مؤنث لغير العاقل، والذي يناسبها هو كلمة (تتفطر)، نجد الآية هنا تعبر عنها كما لو كانت من ذوي العقول يَتَفَطَّرْنَ ذلك للدلالة على أنها في مقام العبودية لله والخضوع له شأنها شأن سائر العقلاء، فهي تخشاه. وكيف لا تتفطر السماوات إذا تجلى الرب لها أو اخترقها وحي الله، وهي مشفقة من