من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٣ - لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله
فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِكَ حَتَّى عَرَفُوكَ وَوَحَّدُوكَ وَأَنْتَ الَّذِي أَزَلْتَ الأَغْيَارَ عَنْ قُلُوبِ أَحِبَّائِكَ حَتَّى لَمْ يُحِبُّوا سِوَاكَ وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى غَيْرِكَ أَنْتَ المُونِسُ لَهُمْ حَيْثُ أَوْحَشَتْهُمُ العَوَالِمُ وَأَنْتَ الَّذِي هَدَيْتَهُمْ حَيْثُ اسْتَبَانَتْ لَهُمُ المَعَالِمُ مَا ذَا وَجَدَ مَنْ فَقَدَكَ وَمَا الَّذِي فَقَدَ مَنْ وَجَدَك] [١].
وكلمة أخيرة: اختلفت المذاهب في موضع السجدة في هذا السياق بعد اتفاقهم على وجوبها، وأنها من العزائم، فقال فقهاء الشافعية والمالكية: تجب السجدة عند قوله تعالى وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ، بينما قال الحنفية والحنابلة: إن موضع السجود الواجب عند قوله إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ، وذهب الشيعة إلى هذا الرأي تبعا لروايات أهل البيت عليهم السلام.
ولا يجب ذكر مخصوص في السجود، ولكن يستحب أن يقول ما ذكر في رواية (من لا يحضره الفقيه) قال: وروي أنه يقول في سجدة العزائم
(لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ حَقّاً حَقّاً لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِيمَاناً وتَصْدِيقاً لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ عُبُودِيَّةً ورِقّاً سَجَدْتُ لَكَ يَا رَبِّ تَعَبُّداً ورِقّاً لَا مُسْتَنْكِفاً ولَا مُسْتَكْبِراً بَلْ أَنَا عَبْدٌ ذَلِيلٌ خَائِفٌ مُسْتَجِيرٌ) [٢].
[٣٩] القرآن بصيرة لا بصر، ورؤية لا نظر، إنه منهج تفكير لمن يعقل، وهدى وعبرة لمن يعي ويعتبر. إنه يقول لك كيف تصبح متعلما في مدرسة الحياة وفيها من معارف الرب، ومعالم الحق، ومشاهد النفس ما يكفيك حكمة وعلما.
ولو اتخذنا آيات القرآن بصيرة للنظر إلى ما حولنا لنطقت الطبيعة بألف درس ودرس، وبأكثر من لغة، لغة العواطف والأحاسيس، لغة العلم والحكمة، لغة الضمير والوجدان، وفوق كل ذلك لغة الشهود والإيمان.
انظر إلى الأرض. أولا ترى خشوعها لربها، وكيف تتعطش حبات التراب للغيث، وكأنها تناجي ربها طالبة أحيائها؟! وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً لا مستكبرة ولا متجبرة، وحق لها أن تخشع لربها الجبار، ومن دون خشوعها لا يمكن أن تنتفع ببركات ربها، وكذلك القلب الخاشع يهبط عليه نور ربه العظيم فيحييه بالمعرفة والإيمان. فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وكذلك القلوب الطاهرة تهتز لآيات ربها. وَرَبَتْ لقد تنامى عليها الزرع والورق والثمر فإذا بالأرض قد علت عن مستواها الأول، وكذلك كل من تواضع لله يعلو، ومن يخشع يربو ومن تزكى ينمو. إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى وهكذا بهذه البساطة يحل القرآن أعقد لغز حيرَّ البشر، أوليست العقول تقف على شاطئ الحياة متسائلة: ما هي؟ كيف
[١] بحار الأنوار: ج ٩٥، ص ٢٢٦.
[٢] من لا يحضره الفقيه: ج ١، ص ٣٠٦.