من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢١ - لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله
بينات من الآيات
[٣٧] بين البشر وسائر الخليقة أكثر من صلة، وحين يكتشف الإنسان آماد هذه الصلة لا يزداد وعيا بما حوله فقط، ولا يزداد قدرة على تسخير الطبيعة فحسب، بل ويزداد إيمانا بربه، ومعرفة بأسمائه الحسنى التي تتجلى في السماوات و الأرض.
فإذا نظرنا إلى الليل والنهار والشمس والقمر راعتنا عظمتها وكبر حجمها ودقة نظمها، ولكن حين نجد أنها مسخرات بأمر الله، وخاشعة لمشيئته، محاطة بعلمه وقدرته، هنالك يهتدي المؤمنون إلى ربهم، ويعرفون شيئا من عظمته، فيخرون ساجدين لله وحده الذي له الحمد والمجد والكبرياء والعظمة. وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ اختلاف الليل والنهار بما فيه من دقة التدبير وحسن النظم شاهد على عظمة مقدرهما و مدبرهما، كما أن حركة الشمس ذات الأبعاد الثلاث المتناهية في الدقة، و دورات القمر المتصلة ذات الأثر البالغ في مقدرات الأرض، كل ذلك آية من آيات قدرة الله، فمن الضلالة تقديس الشمس والقمر من دون بارئهما!
لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وكانت من عادات الجاهلية، التي لا تزال شائعة عند بعض الأمم، ولعلها ناشئة من النظرة السطحية إلى آيات الخليقة التي لا تنفذ إلى ما ورائها من حقائق الغيب. وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ وكان بعضهم يزعم أن السجود للشمس والقمر وللأصنام التي تنحت كرمز لهما ولغيرهما من مظاهر القوة والجمال في الخلق يُعَدَّ عبادة لله، أوليس كل أولئك من خلق الله، ومن مظاهر قوته و جماله؟ فنهرهم الرب بأن عبادة الله لا تتم إلا بالسجود له وحده، فإن كانوا يريدون الله فليعبدوه وحده، ذلك أن السجود للشمس وللقمر ولكل مظهر من مظاهر القدرة والجمال يبهر البشر وبالتالي الاستسلام للسلطة والثروة، وما إليهما من زينة الحياة الدنيا. كل ذلك أصل الفساد في حياة الإنسان، وإن من عبادة الله تحصين البشر من هذا الفساد الكبير. وبعضهم أخذ يفلسف هذا الفساد، ويزعم أن آيات الله هي عين ذاته، وأن الوجود والموجود واحد، وأن الخالق والمخلوق واحد، وأن الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق. كلا .. لا تعايش عند الله بين عبادة الله والسجود للشمس والقمر، فمن سجد لهما خرج عن إطار عبادة الله.
[٣٨] ولكن لماذا يترك الإنسان عبادة الله إلى عبادة مخلوقاته؟.
لأن في عبادة الخالق استشعار الذلة والصغار، والتحسس بالمخلوقية والعبودية، وبالتالي الالتزام برسالات الله وما فيها من قيم وشرائع، واتقاء شح النفس، ومخالفة أهوائها،