من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩ - إلا عباد الله المخلصين
عَلَيْهَا لَشَوْباً [١] مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإٍلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ [٢] (٧٠)
هدى من الآيات
بعد تكريس المسؤولية المتجلية في الجزاء يوم القيامة، وقطع الأعذار الواهية التي يتشبث بها المستضعفون، يبيِّن القرآن حال عباد الله المخلصين، الذين أخلصوا ولاءهم لقيادتهم الشرعية، وأخلصهم الله من شوائب الشرك وآثار الضغوط التي تنقسم إلى نوعين
الأول: ضغط المجتمع المتجلي في قرين السوء.
الثاني: الضغط التاريخي المتمثل في الآباء.
لهؤلاء عباد الله المخلصين رزق معلوم (غير منقطع وهو جزاء أعمالهم المعلومة عند ربهم) فواكه (كرزق مادي) وهم مكرمون (كرزق معنوي) وهم في جنات النعيم يجلسون على سرر متقابلين يتجاذبون أطراف الحديث لفراغ بالهم ومشغولون بالتالي بلذَّة المؤانسة يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين لا فيها هلاك ومرض، وإلى جنبهم الحور كأنهم بيض مكنون تتلألأ بشرتهن إشراقا.
وتكتمل النعم عندهم حين يطلعون على قرناء السوء الذين حاولوا عبثا إغواءهم، وبعد أن يبيَّن السياق هلاك أولئك من كفرهم بالجنة، ينقل خطاب المخلصين لهم بأنه لولا نعمة الله لكانوا من المهلكين، ثم يسدل الستار على هذا المشهد بعد أن يقرروهم أفما نحن بمعذبين؟ ويذكرنا القرآن بأن ذلك هو الفوز العظيم الذي لمثله فليعمل العاملون.
ويكشف عن مشهد آخر حيث شجرة الزقوم، التي هي حسب الظاهر ذنوب أهل النار تصبح طعاما لهم هناك وهي فتنة في الدنيا للظالمين وهي تنبت في أصل الجحيم، ولكن فروعها في بيوتهم، أما طلعها فكأنه رؤوس الشياطين (الذين خدعوهم بها في الدنيا). إنهم يأكلون منها حتى يملؤوا بطونهم كما أكلوا المال الحرام. ثم يشربون عليها ماء حميما يقطع أمعاءهم، كما شربوا الشراب الحرام في الدنيا، ثم يعودون جميعا إلى الجحيم. كل ذلك لأنهم اتبعوا آباءهم وهرعوا إلى آثارهم يقلدونهم فيها على غير هدى.
[١] لشوباً: الشوب هو خلط الشيء بما ليس منه وهو شرٌّ منه، والمعنى شراباً مشوباً ليس بصافٍ.
[٢] يهرعون: أي يسرعون في تقليدهم.