من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٩ - وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام
تَيَّارِهِ ورَدَّتْ مِنْ نَخْوَةِ بَأْوِهِ واعْتِلَائِهِ وشُمُوخِ أَنْفِهِ وسُمُوِّ غُلَوَائِهِ]
[١]. و يبدو أن حديث الإمام يتصل بمرحلة واحدة من أطوار الأرض، وكيف هيأها الرب لسكن الأحياء، حيث مرَّت الأرض بأطوار عديدة تشير إليها سائر النصوص لمأثورة كما توضحها النظريات الحديثة.
ثانياً: وما هما اليومان اللذان مرت بهما الأرض؟ لقد اختلف المفسرون في ذلك اختلافا كبيرا حيث إنهم قالوا:) إذا كان تقدير اليوم بحركة الأرض فكيف نتصور اليوم قبل وجودها؟ فقال البعض: إن المراد منها الأوقات، كما قال سبحانه وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ (الانفال: ١٦)، أي حينئذ أو وقتئذ، وقال بعضهم: إن المناط في تقدير الأيام إنما هو بحركة الأفلاك التي كانت قبل خلقة الأرض، وقال ثالث: ما يكون بقدر الأيام في فرض وجودها، وقال الرازي: المراد بالأيام الأحوال المختلفة ..) [٢]، ويبدو هذا التفسير أقرب، ذلك لأن أقرب المعاني لليوم هنا برهة من الوقت وحين من الدهر، وما نتصوره من اختلاف وقت عن وقت وحين عن حين هو اختلاف الأحوال، فمثلا نحن نميز بين اليوم الأول من الربيع عن اليوم الثاني منه، بفاصل الطلوع والغروب بينهما، كذلك كانت هنالك فواصل معينة بين الوقت الأول والوقت الثاني (أو إن شئت قلت اليوم الأول واليوم الثاني) بتطور الأحوال.
وفي القرآن يصرح بهذا التطور حيث خلق الله الكائنات بصورة ماء فكان عرشه عليه، ثم خلقها دخانا، ثم خلق السماوات والأرض، ولا بد أن مرت دهور متطاولة بين مرحلة ومرحلة حتى اليوم، كم مرت هذه الدهور بقياساتنا المحدودة؟ حتى الآن لا نمتلك نظريات حاسمة في هذا الحقل، بالرغم من أن بعض العلماء يقدر ذلك بخمسة عشر مليار عام مرت من بداية ما يزعم انفجارا هائلا وموجها حدث في هذا الكون، وتمددت المادة الأولية المخلوقة في صورة مجرات .. ومن أطرف ما قرأته حول هذه المدة في النصوص ما جاء في حديث مأثور عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بعد أن سأله رجل قائلا: فكم مقدار ما لبث الله عرشه على الماء من قبل أن يخلق الأرض والسماء؟ فأجاب: أتحسن أن تحسب؟ قال: نعم، قال: لعلك لا تحسن!، قال: بلى، إني لأحسن أن أحسب، قال علي عليه السلام
[أَرَأَيْتَ إِنْ صُبَّ خَرْدَلٌ فِي الأَرْضِ حَتَّى يَسُدَّ الهَوَاءَ وَمَا بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ ثُمَّ أُذِنَ لَكَ عَلَى ضَعْفِكَ أَنْ تَنْقُلَهُ حَبَّةً حَبَّةً مِنْ مِقْدَارِ المَشْرِقِ إِلَى المَغْرِبِ وَمُدَّ فِي عُمُرِكَ وَأُعْطِيتَ القُوَّةَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى نَقَلْتَهُ وَأَحْصَيْتَهُ لَكَانَ ذَلِكَ أَيْسَرَ مِنْ إِحْصَاءِ عَدَدِ أَعْوَامِ مَا لَبِثَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَخْلُقَ اللهُ الأَرْضَ وَالسَّمَاءَ وَإِنَّمَا وَصَفْتُ لَكَ عُشْرَ عُشْرِ العَشِيرِ مِنْ جُزْءٍ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ جُزْءٍ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ عَنِ التَّقْلِيلِ وَالتَّحْدِيد][٣].
[١] بحار الأنوار: ج ٥٤، ص ١١١.
[٢] نقلًا عن بحار الأنوار: ج ٥٤، ص ٦- ١٠، بتصرف يسير.
[٣] بحار الأنوار: ج ١٠، ص ١٢٦.