من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٤ - فاستقيموا إليه واستغفروه
الرَّب إكراههم، فهم لا يسمعون الموعظة ولو سمعوها حقا لاهتدوا إذ لا نقص أبدا من جانب القرآن، بل قد وفر الله وسائل الهداية، ولكن ما ذنب الشمس لو كان الإنسان أعمى؟
[٥] وكان من ملامح إعراضهم أنهم زعموا أن قلوبهم موضوعة في أوعية مغلقة، فهي لا تستجيب للحقائق الجديدة، وأن بينهم وبين الرسول حجابا لا يمكنهم رؤية الرسول من ورائه. وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ لقد عقدوا عزمات قلوبهم على الكفر بما جاء به الرسول، والتعصب الأعمى لما كان عليه آباؤهم، فزعموا أن هناك سواتر وأغطية عديدة تلف أفئدتهم عن الدعوة الجديدة، بلى؛ الغفلة والجهل والكبر والعناد كلها أكنة على قلوبهم، فكيف تخترقها الرسالة؟!
ثم قالوا: وحتى ولو كانت قلوبنا سليمة فإن آذاننا لا تسمع لما فيها من ثقل، وأبصارنا لا ترى وجوارحنا لا تحس لأن المسافة التي بيننا وبينك قد سُدَّت بالحجاب. وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فمن أعرض قلبه ثقل سمعه عن استقبال الدعوة، كما علت عينه غشاوة. ثم كشفوا عن غاية تعصبهم وشدة جمودهم إذ قالوا فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ فلم يطيقوا الحوار فقطعوه، وقالوا: اعمل أنت بما ترى، ونعمل بما نعتقد، والمستقبل يحكم بيننا وبينك، وإذا كنت تخطط للمواجهة فنحن مستعدون!! هكذا أعرضوا عن الذكر، فهل يلام على ضلالتهم غيرهم؟
[٦] في مواجهة الدعوات الصادقة يلتجئ المتعصبون إلى مكر شيطاني، وذلك بأن يخلطوا بين الدعوة وبين صاحبها فيتهموه بحب السلطان أو الجاه وما أشبه، ومن هنا كان من أقوى الحجج التي اعتمدها الرسل عليهم السلام التجرد للرسالة عن شخصياتهم، وأنهم لا يطالبون الناس بأجر؛ اللهم إلا ما يكون نفعه للناس- وأنهم لا يبحثون عن جاه أو سلطة أو ثروة، وأنهم لا يدعون التميز عليهم إلا بالوحي. قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَ وأن دعوتهم خالصة لله، وأنهم يسلمون أمرهم لذلك الرب الواحد الذي يدعون الناس للتسليم له.
أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ وهذه هي الميزة الأساسية لرسالات الله عن كل دعوات الباطل، أن تلك الدعوات تسعى لإخراج الناس من ظلام إلى ظلام، ومن عبودية إلى عبودية، ومن غل إلى غل آخر، بينما رسالات الله تدعو إلى النور، إلى الحرية، أي فك الأغلال جميعا. ولولا حجاب الجهل والعصبية والعناد فإن نور الصدق يتجلى في دعوات الأنبياء ومن اتبع نهجهم. فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وهذه ميزة أساسية ثانية: إن دعوات الباطل تجرُّ أصحابها من انحراف إلى انحراف ومن ظلم إلى ظلم ومن إسراف إلى تقتير ومن إفراط إلى تفريط، بينما رسالات الله تدعو الإنسان إلى الحكمة والاعتدال والاستقامة، في طريق الله. وبما أن الاستقامة