من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٢ - فاصبر إن وعد الله حق
إِنَاثٍ يَعْبُدُونَهُ وَيُوَحِّدُونَهُ وَخَلَقَ لَهُمْ أَرْضاً غَيْرَ هَذِهِ الأَرْضِ تَحْمِلُهُمْ وَسَمَاءً غَيْرَ هَذِهِ السَّمَاءِ تُظِلُّهُمْ لَعَلَّكَ تَرَى أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا خَلَقَ هَذَا العَالَمَ الوَاحِدَ وَتَرَى أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخْلُقْ بَشَراً غَيْرَكُمْ بَلَى وَاللهِ لَقَدْ خَلَقَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَلْفَ أَلْفِ عَالَمٍ وَأَلْفَ أَلْفِ آدَمٍ أَنْتَ فِي آخِرِ تِلْكَ العَوَالِمِ وَأُولَئِكَ الآدَمِيِّينَ] [١].
وأخيرا، يرى بعض علماء النفس أن أفضل وسيلة لتربية الإنسان أن يعطى له عند بلوغه مبلغ الرجال جهازين يرى بهما عظمة الخلائق، جهاز ميكروسكوب يرى به عجيب لطف الصنع في خلقة الموجودات المتناهية في الصغر، وجهاز تلسكوب يرى به عظيم القدرة في خلقة الأجرام المتناهية في الكبر.
[٥٨] هل يستوي من يستوعب هذه الحقائق ببصيرة قلبه فيكون كالبصير، والذي هو أعمى حتى لو اقتربت منه حقائق الكون جميعا لا يعيها ولا يستوعب دروسها، وتراه كالشرنقة لا يزال في تلك الزنزانة الضيقة من نسيج أهوائه وشهواته ووساوس الشيطان.
وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ أرأيت الذي قضى عمره في جزيرة مهجورة لا يعلم عن الدنيا شيئا، هل يختلف بالنتيجة عمن يعيش في غرفة ضيقة في وسط أضخم العواصم قد حجب نفسه عن كل ما حوله؟ كلا .. كذلك الكافر الذي تحيط به حقائق الكون فلا يستوعبها، ولا يعيش قلبه في أجوائها ولا تعيها بصيرة نفسه، بل هو في ظلام جهله وجهالته، لا يعترف بشيء غير نفسه وأهوائها، إنه أشد عمى ممن فقد عينيه. أليس كذلك؟ وكم هو فرق بينه وبين من يعيش عوالم الخلق جميعا في ضميره ووعيه، ويرى نفسه منها ولا بد أن يتناغم سلوكه وسننها، لأنه يؤمن بربها العظيم، ويعمل الصالحات التي أمر بها كما أمر سائر العوالم بمثلها قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ.
[٥٩] وفي خاتمة الدرس يلخص السياق عبرة الحقائق التي ذكر بها أنها الساعة حيث يتبدل النظام القائم هنا على أساس الابتلاء، بنظام يقوم على أساس الشهود والجزاء. إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وكيف يرتاب في يوم تدل كل حقائق العالم على أنه المنتهى، فحكمة الله التي تتجلى في كل خليقة صغيرة أو كبيرة تدلنا بوضوح كاف على يوم الجزاء. وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ فلا تتبع سلوكهم، وذرهم يخوضوا في لهوهم، وأنقذ نفسك من المصير الذي ينتهون إليه بكفرهم بها.
[١] بحار الأنوار: ج ٨ ص ٣٧٤.