من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٣ - وأفوض أمري إلى الله
وفي رواية أنه قال: رَجُلٌ لِأَبِي عَبْدِالله عليه السلام مَاتَقُولُ فِي قَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَّ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً فَقَالَ أَبُو عَبْدِالله عليه السلام
مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا؟
فَقَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّهَا فِي نَارِ الخُلْدِ وَهُمْ لَايُعَذَّبُونَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، فَقَالَ عليه السلام
فَهُمْ مِنَ السُّعَدَاءِ.
فَقِيلَ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَكَيْفَ هَذَا؟. فَقَالَ عليه السلام
إِنَّمَا هَذَا فِي الدُّنْيَا فَأَمَّا فِي نَارِ الخُلْدِ فَهُوَ قَوْلُه
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [١]. وحسب هذا التفسير فإن أرواح الكفار تعذب في البرزخ بعذاب أخف من عذاب الآخرة، ولذلك روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه سئل عن أرواح المشركين؟ فقال
[فِي النَّارِ يُعَذَّبُونَ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَا تُقِمْ لَنَا السَّاعَةَ وَلَا تُنْجِزْ لَنَا مَا وَعَدْتَنَا وَلَا تُلْحِقْ آخِرَنَا بِأَوَّلِنَا]
[٢] وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ.
[٤٧] ويبقى السؤال، لماذا أدخل الله كل آل فرعون أشد العذاب، بينما المجرم الأصلي هو فرعون وجنوده؟
الجواب: إن الضعفاء منهم خضعوا لفرعون، ورضوا به، فشاركوه الجزاء الشديد، ولم ينفعهم تبريرهم بأنهم كانوا أتباعا لفرعون زاعمين أن فرعون والمستكبرين يتحملون عنهم وزر أعمالهم، كلا .. وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنْ النَّارِ هنالك تسقط هذه الأعذار الواهية التي يحاول الضعفاء تبرير سكوتهم عن المستكبرين بها. كما يقال مثلا: أنا جندي وعلي طاعة قيادتي، أو يقال: المأمور معذور، أو يقال: بأن القيادة أعرف وأن الملوك أعلم بالصلاح. كلا .. إن كل بشر مسؤول بصورة مستقلة يوم القيامة عن كل مواقفه وأعماله.
[٤٨] وهكذا يسدل الستار على هذه المحاجة عندما يكشف المستكبرون عن مدى عجزهم. قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا نحن وأنتم، فكيف نستطيع إنقاذكم ونحن لا نستطيع إنقاذ أنفسنا منها. إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ولا أحد بقادر على أن يفر من حكومة الله. وهكذا كشف السياق بأن الذين يدعون من دون الله ليست لهم دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأنهم جميعا في النار، كما بيَّن السياق: نهاية الخضوع للطاغوت أنها المشاركة معه في النار، بينما عاقبة الثائرين عليه، أن الله يحفظهم من مكر الطاغوت، كما وقى مؤمن آل فرعون سيئات ما مكروا.
[٤٩] وبعد أن يقنط أهل النار من شفاعة بعضهم، يدفعهم الألم إلى التوسل بخزنة جهنم، وهم الملائكة الغلاظ الشداد الذين وكلوا بهم، وكلفوا بالإشراف على تعذيبهم، فيتوسل
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ٢٥٨، بحار الأنوار: ج ٦، ص ٢٨٥.
[٢] الكافي: ج ٣، ص ٢٤٥.