من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٢ - يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور
الخيانة بني البشر، أما الله فلا يفوته منها شيء .. وكيف يكون ذلك وهو يحيط بنوايا الإنسان وما ينطوي عليه قلبه؟! ولو تعمقنا في هذه الآية الكريمة، واعتبرنا بها لاستطعنا أن ننزع من قلوبنا بذور النفاق وجذور الخيانة، لأن الإنسان حينما يتحسس رقابة الله عليه، ويستشعر حقيقة علمه تعالى بما في قلبه فإنه لن ينافق أو يخون، ولن تأخذه روح اللامبالاة بالذنب. وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ من نوايا يسعى نحو تحقيقها، التي قد تخفى في بعض الأحيان عن الإنسان نفسه.
[٢٠] وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِ وإنما يكون قضاؤه حقا لحكمته وإحاطته بما يحكم فيه، فمهما حاول أحد أن يتعلل ويقدم المعاذير ليفلت من العدالة فلن يستطيع أبدا، لأن الله يعلم الغيب والشهود حتى نوايا الضمير، وعلى الإنسان أن يبحث عن الحق ويلتزم به فهو وحده الذي ينفعه عند الله. وكلمة بِالْحَقِ توحي بأن وسائل الحكم ونتائجه كلها حق، فربنا يعتمد الحق في تحديد الموضوع، ويعتمده أيضا في تحديد الحكم وتنفيذه، أما الآخرون الذين يشرك بهم الظلمة وجهال الناس فإنهم لا مقياس لهم في الحياة والحكم فلا يصيبون حتى جزءاً من الحق.
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ في يوم القيامة، أما في الدنيا فهم لا يقضون بالحق، والسبب بالإضافة إلى اعتمادهم الأهواء والشهوات في قضائهم أنهم لا يحيطون بموضوعات الحكم إحاطة تامة، فحكمهم قائم على الشهادات الظاهرية أو الظنون والتخرصات، أما الله فهو يحيط إحاطة مطلقة بكل شيء مما يجعل حكمه حقا تاما. إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الذي يحيط بكلام الناس وما تنطوي عليه نفوسهم. الْبَصِيرُ الذي يرى تصرفاتهم وأفعالهم. وفي الآية إيحاء بأن الباطل لا يمثل شيئا. أوليس الباطل كان زهوقا؟ فالشركاء المزعومون يقضون بالباطل الذي لا يمثل شيئا، ويا لروعة الكلمة وبلاغة التعبير، فهم لا يقضون عند الله شيئاً بالرغم من أن الطغاة يتشدقون بألوف القوانين التي يتظاهرون أنهم يقضون بها خلافات الناس، بينما يعقدون بها في- الواقع- أوضاع الناس، ويزيدون بأحكامهم الباطلة هذه الصراعات، فيا لخسارة تابعيهم!
[٢١] إن تحمل أمانة المسؤولية لأشد على قلب الإنسان من حمل الجبال الراسيات، وإنه- في الوقت ذاته- السبيل الوحيد لنجاته، والقرآن يهدينا إلى ذلك بحجج شتى، أبرزها بيان عاقبة أعمال البشر في الآخرة وقد تحدث السياق عنه آنفا، والحجة الثانية بيان عاقبة أعماله هنا، ولكن كيف نعرف ذلك؟ إنما بالنظر في أحداث التاريخ، التي تكشف عن خطأ التكذيب بالحق، وبالتالي ضعف الإنسان أمام إرادة ربه المتجلية في سنن الحياة.
وأصدق كتاب ينبئنا عن حقائق التاريخ- بعد القرآن- آثار الغابرين على الطبيعة، فلا