من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٠ - يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور
لمجرد انتمائه ظاهرا للحق، وذلك حينما تؤكد المسؤولية بِمَا كَسَبَتْ وتركز الآية الكريمة هنا على العدالة الإلهية فتقول لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ لأنه مطلق العلم والقدرة، ولأنه يحاسب الناس على ضوء المقاييس والحجج، وإذا كان الإنسان بعلمه و إمكاناته المحدودة قد اكتشف جهاز الكومبيوتر الذي يفحص الأمتعة والحقائب من خلال الشاشة في لحظات فكيف بربنا وهو سريع الحساب؟!
فلا يتوهم البعض أن كثرة عدد البشر وتنوع ما يكتبونه بما لا يحصى يمنع ربنا من الدقة في الحساب أو النَّصَفَ فيه. كلا، إنه سريع الحساب يحصي عليهم حتى أنفاسهم وخفي ضمائرهم فيحاسبهم جميعا على كل ذلك في ساعة يوم القيامة.
[١٨] وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ وهو أحد أسماء يوم القيامة، ولعل كل اسم من أسماء الآخرة جاء بمناسبة معينة أو بحالة معينة. ولهذا الاسم عدة معان
منها: أن القيامة قريبة جدا، من أزف الأمر إذا دنا وقته واقترب، وفعلا الساعة قريبة فلا تفصلنا- نحن البشر- عنها عمليا إلا زجرة الموت، وبعده يغفل عن أكثر الناس حتى قيام الساعة فيكونون كمن غط في نوم عميق سحابة نهاره فيتصل عنده أول يومه بآخره ويكون ما يحدث عليه آخر النهار قريبا من أول النهار. أما الذين محضوا الإيمان والكفر فإنهم إذا ماتوا قامت قيامتهم، فتدفع أرواح المؤمنين في الجنان فور انتقالها من أبدانهم، ويعرض على أرواح المعاندين النار غدوا وعشيا كآل فرعون، فالقيامة إذا قريبة منا جميعا. وفي القرآن إشارة إلى هذا المعنى في قوله تعالى فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: ١٣، ١٤].
ومنها: أن العذاب يكون قريبا من الناس في ذلك اليوم، أو أن روح الإنسان يقرب خروجها من جسده لأهوال ذلك اليوم. إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ و ربما يكون المقصود من القلب هنا بالإضافة إلى الروح، القلب بواقعة المادي، ذلك أن الإنسان يحس وكأن قلبه يصعد إلى الأعلى عندما يتعرض للفزع، وبالذات إذا كان مفاجئا لا يتوقعه، ولأن الناس كلهم مشغولون بأنفسهم لا يجد الواحد طرفا يمكنه أن ينفعه يظهر له ما في نفسه لذلك يخفي الجميع ما في صدورهم ويكظمون غيظهم، وحتى إذا أرادوا البوح فهل هي إلا ندامة وخسار! بالإضافة إلى هيبة ذلك اليوم التي تعقل ألسنتهم، وإلى الملائكة الغلاظ الشداد الذين لا يأذنون لهم بالكلام، وإلى خشوع الأصوات جميعا لرب العالمين، فهم لهذه الأسباب وغيرها يضطرون للكظم بالرغم من شدة غيظهم حتى ليكادون يتميزون حنقا.
مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وهو أقرب الأصدقاء وأحبهم للإنسان، إذ تنقطع بينهم