من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٦ - غافر الذنب وقابل التوب
يكفرون بالحق إنما بسبب نفوسهم المريضة التي تنقاد للهوى وتنصاع للمحيط، وليس لنقص في الآيات الدالة عليه فهي بيان واضح للحق بالحق.
بينات من الآيات
بسم الله الرحمن الرحيم
وهو الرب الذي يتأله ويجأر إليه، والذي به يستغاث وبه يستعان وإليه يجأر كل مضطر وصاحب حاجة، حيث غرزت الحاجة إليه في فطرة كل مخلوق، وأركز الإحساس بألوهيته في أعمق أعماق شعورنا جميعا، فمهما اختلفنا في الألفاظ والتعابير على اختلاف ألسنتنا ومذاهبنا إلا إننا لا نختلف في الحقيقة التي فطرنا عليها جميعا، إذ كلنا يستعين بالله ويتوسل بأسمائه التي أظهرها لفاقتنا إليها كما في الأخبار.
[١] حم من المقطعات القرآنية التي سبق تفسيرها في عدة مواضع [١]. وجاءت روايات بأن (ح) إشارة إلى اسم الحميد و (م) إشارة إلى اسم المجيد فيكون حم حينئذ قسما بحاكمية الله التي تقتضي حمده ومالكيته التي تقتضي مجدا على أن القرآن حق، أوليست آيات القرآن تجليات لأسماء ربنا، ولعل السور السبع التي تبتدئ بكلمة حم وأولها هذه السورة مظاهر لاسمي الحميد والمجيد.
[٢] والكتاب الذي يتكون من أمثال هذه الحروف تَنَزَّل من رب عزيز عليم. تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ فبعزته يفرضه على الإنسان ويطبق ما فيه على واقع الحياة، وبعلمه الذي أحاط بكل شيء إحاطة مطلقة جعله كله هدى وحكمة ونورا ينسجم مع واقع الحياة والإنسان. ويبدو لي أن الآية جملة مفيدة كاملة، مبتدؤها تَنزِيلُ الْكِتَابِ وخبرها مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وهذا ما يوحي بالمعنى المتقدم.
[٣] وتعرفنا الآيات بربنا من خلال ذكر صفاته، وهذا ينفعنا في تحديد علاقتنا به تعالى. وأول أسماء الله المذكورة هنا أنه غافر الذنب، ومن يغفر الذنوب إلا الله، وأي رحمة واسعة تلك التي تغسل جريمة المعصية، وأي قدرة تستطيع محو الآثار العديدة للمعاصي على النفس والواقع غير رحمة الله وقدرته. وتضفي أسماء الله السكينة على القلب، فهو غافر الذنب وقابل التوب وهو ذو الطول، ولولا هذه السكينة لتصدعت قلوب المؤمنين عند استماعهم لاسم شديد العقاب. غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ والمؤمن حقا يعيش
[١] راجع بدايات السور المماثلة.