من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٧ - غافر الذنب وقابل التوب
متوازنا مباركا، يحثه الرجاء على التوبة والعمل الصالح، ويمنعه الخوف عن المعصية. والخوف من عذاب الله كما رجاء رحمته ليس قضية نفسية وحسب، إنما يعنيان العمل، فنحن يجب أن نتحرك عند الرجاء ولكن ليس في أي اتجاه، إنما في اتجاه مرضاة الله وباتباع هداه، لأن الحياة تشبه حقل الألغام والذي ينجو فيها هو الذي يمتلك خريطة واضحة لها يتبعها بدقة، أما حينما ينحرف الإنسان عن الحق فسوف يضل ويخسر ولن يجد من ينقذه أبدا، لأن الله وحده هو الإله المتصرف الذي يحدد مسيرة الإنسان ومصيره دون أن يكون أحد قادرا على التغيير والتبديل. لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ فهو الذي يقرره كيف يشاء بإرادته.
[٤] ولكن بعض الناس يرفضون الحق وبكل إصرار، فتراهم يجادلون في آيات الله التي تهديهم إلى الحق. والجدال- حسب اللغة- لف الخيوط الناعمة أو أنسجة الليف على بعضها لتصبح حبلا، وهذا يشبه حال المجادلين الذين يلفون بعض الكلام على بعضه للتغطية على جهلهم. مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ مع وضوحها بما لا يدع مجالا للشك. إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا لأنهم لا يبحثون عن الحقيقة، ولو كانوا كذلك لاستوجب الأمر قبولهم للآيات باعتبارها بيِّنات بينما يسعى هؤلاء لتبرير اتباعهم للباطل ليخدعوا أنفسهم بأنهم على الحق، وليغطوا ضعفهم ويتراؤوا بأنهم أقوياء، ولكن المؤمن الذي يتبع بصائر القرآن لا ينخدع بهم أبدا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ فمهما تظاهروا بالمقدرة من خلال تنقلهم في البلاد عبر مسيرات عرض القوة، كما تعود الطغاة فعله، أحسوا بالخطر، ولكن على المؤمن ألا تغرَّه مظاهر القوة لأنهم ضعفاء بمخالفتهم للحق، فمهما بلغوا من القوة والقدرة وأنَّى أزاحوا الحق عن مراسيه، فإن عاقبتهم إلى البوار وإن إلى الله المصير.
[٥] ويضرب لنا القرآن مثلا من واقع التاريخ على أن تقلَّب الكفار في البلاد وسيطرتهم المادية الظاهرة ليس دليلا على سلامة خطهم. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ أي قبل كفار قريش الذين يجادلونك يا محمد، وقبل كل الطغاة في كل عصر. قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ لأنهم لم يستفيدوا من تجربة قوم نوح. وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وكم هو مؤسف أن تصل البشرية إلى هذا الحضيض، فإذا بها بدل أن تكرم المصلحين وتتبعهم لأنهم يحملون لها الهدى والسعادة ترفضهم وتسعى لقتلهم والقضاء على خطهم، هذا من الناحية العملية، أما من الناحية النظرية فإنها تحاول إبطال الحق الذي يأتي به الأنبياء.
وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَ وهكذا كل كافر لا يملك عقيدة إلا الكفر بالحق، فهو لكي يملأ الفراغ العقائدي في نفسه يبحث عن باطل ليس ليعتقد به إنما ليقاوم به الحق، وإنما ازداد ركام الباطل، وتنوعت مذاهبه، وكثر الكلام فيه لأنه لم يكن يملك رصيدا