من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٥ - إن الله يغفر الذنوب جميعا
يرى ما أعده الله من العذاب للكافرين والمشركين والظالمين.
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ بالإسراف في الذنوب والتقصير في الواجبات وعمل الصالحات. إذن يجب أن نستفيد من فرصتنا في الحياة، وإنما السعيد من اتعظ بتجارب غيره. فإذا كان غيرنا قد مضى من الدنيا مقصرا وبالتالي هلك وتحسر، فلنتعظ به حين يكون الاتعاظ نافعا، لأنه إذا جاء الموت فإننا لا نستطيع أن نُغيِّر من واقعنا شيئا بزيادة أو نقصان. وحيث يصل الإنسان بعد الموت إلى أعلى مراحل العلم وهي عين اليقين فإنه يكتشف مدى ضلالته وانحرافه عن الحق. وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ أي إنني كنت من الساخرين الذين استهزؤوا بالحق وبأهله وأتباعه.
[٥٧] ويُحمِّل الله الإنسان مسؤولية هداية نفسه، بالاستفادة من آياته تعالى، سواء ما تجلى منها في الكون، أو الأخرى المتجلية في رسالاته للناس. أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ بلى؛ إن الله يوفر أسباب الهداية للإنسان كالآيات وكالمصلحين، أما إذا رفضهم فلن يجبره على اختيار الحق، في الحياة الدنيا، لأن الدنيا دار الامتحان والابتلاء، ثم ليس صحيحا أن ينتظر الإنسان الهداية تأتيه إلى بيته إنما يجب عليه هو البحث عنها وتحمل مسؤولياتها.
ونستوحي من الآية إشارة إلى أن بعضا من الناس سوف يتعذرون بهذا التبرير، والله يُبيِّن لهم أنه مرفوض عنده، إذا كنت تريد الهداية فهذا هو الطريق، أن تتغلب على القنوط، وتنيب وتسلم لله قبل العذاب أو الموت، وأن تتبع طريق الحق وأحسن ما أنزل، وإذا فعلت ذلك فسوف تكون مهتديا، أما الطرق الأخرى كالانتظار الساذج أو اتباع المناهج المنحرفة في الحياة، أو الانصياع لقيادة الطاغوت، أو الإصرار على الذنب تحديا أو قنوطا فإنها كلها لا تنتهي إلا إلى الضلال.
[٥٨] ولا بد أن يعرف الإنسان قضية مهمة وحاسمة بالنسبة للحياة الدنيا، وهي أنها الفرصة الوحيدة له التي يستطيع فيها تجربة نفسه وإرادته، فإن فشل فيها فسوف يفشل في الآخرة، وإن أفلح فسوف يفوز هناك بنسبة فشله وفلاحه هنا.
أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ الذي لم تره ببصيرة الإيمان حيث كفرت بالحق لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ وهكذا يكرر القرآن تأكيده كثيرا على أهمية الإحسان لأنه أرفع درجة يصل إليها البشر، باعتباره يمثل خروج الإنسان عن ذاتياته وأهوائه إلى خدمة الآخرين، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [التغابن: ١٦].