من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٦ - ولا يرضى لعباده الكفر
فمن الناحية التكوينية وفَّر الله للإنسان الحرية ليفعل بها ما يشاء، فأشرك به سبحانه، ولكن من الناحية التشريعية لم يرض له الشرك، وبتعبير آخر لم يجبر الله الناس على التوحيد، ولو فعل ذلك بطل الثواب والعقاب، ولكنه أمرهم ونهاهم ورغبهم وأنذرهم ووفر لهم المشيئة، ولولا المشيئة الإلهية لم يقدر أحد على عصيانه، فهو الذي جعلهم مختارين، وأعطاهم القدرة.
ونستطيع أن نشبِّه هذه الحالة بمن يعطي ابنه دينارا ويأمره بأن يشتري ما ينفعه فيشتري ما يضره، فهو قد اشترى بمال أبيه ما لم يرض به. ورضى الله أو عدم رضاه ليس كما نحن البشر- كما أسلفنا في كثير من السور أن الله تنطبق عليه الغايات لا المبادئ- فرضى الله قد يكون بتوفيقه للإنسان، واستجابة الطبيعة من حوله، لأن كل ما في الحياة يستجيب للتوحيد وينسجم معه، ويتناقض مع الشرك و ينفر منه.
وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ فالله يرضى الشكر لعباده، وعندما يشكر الإنسان ربه ففي شكره إرادتان: إرادة تكوين، وإرادة تشريع، وهناك من يبرر شركه بإلقاء المسؤولية على غيره، ولكن الله ينفي ذلك، ويؤكد أن كل إنسان يتحمل مسؤولية عمله، ولا يتحمل الآباء أو العلماء أو السلطات من وزره شيئا. وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى الوازرة: النفس التي تحمل ثقلا، فكل إنسان يحمل حملا، ومن عنده حمل لن يرضى أن يحمل حمل الآخرين، إذ له من الحمل ما يكفيه.
وسواءٌ بررنا أم لم نبرر فإن جزاء أعمالنا يوفى إلينا يوم القيامة، حين ينبئ الرب عباده بكل صغيرة و كبيرة عملوها، ولعلهم نسوا أو تناسوا بعضها ولكن كتاب ربنا لا يضل ولا ينسى. ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وعلم الله لا يقتصر على ظواهر العمل بل ينفذ إلى القلب حيث الدوافع والنيات. إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ولعل الآية تشير إلى فعل القلب ومسؤولية الإنسان عنه، والوساوس والتبريرات والعقائد الفاسدة والرضا والبغض كلها من فعل القلب، فمثلا كثيرا ما يزعم الفرد أنه مجبور على عمل وهو غير مجبور و الله يعلم ما في صدره.
[٨] وبعد أن نسف السياق قواعد التبرير، ومَهَّد القلب لتلقي الحجة، أبلغنا بأنفذ الحجج وهو دليل الفطرة والوجدان، حيث ينقطع في أوقات المحنة أمل الإنسان في أي شيء سواه سبحانه، وهنالك يتصل قلبه بالله، إن الله هو ذلك الأمل الذي ينجيك حين لا منجى، ويتعلق قلبك به حين لا تجد خشبة خلاص تتعلق بها، و هذه أحد الأدلة والشواهد التي تهدينا إليه سبحانه، ففي أيام الرخاء تعترينا الغفلة، وننسى الله، إلا أن المصائب حين تأتي تحدث هزات عنيفة ليس لكيان الإنسان وإنما لضميره ووجدانه حيث يرى الله، والمؤمنون غير هؤلاء،