من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٧ - فسجد الملائكة كلهم أجمعون
قدرة محاربة الشر، واقتلاع شأفته للبشر، حيث وهب لهم إمكانية القضاء على إبليس نهائيا في اليوم المعلوم، وربما تلتقي هذه الحكمة مع ظهور الإمام الحجة عليه السلاموظهور الحق على يديه- بإذن الله- حيث إنه بدوره يعتمد في جانب منه على إرادة أهل الحق والله العالم.
[٨٢- ٨٣] وعندها استشاط اللعين غضبا وبعد أن اطمئن للوعد الإلهي بالإمهال، أقسم بعزة الله على إغواء أبناء آدم، وإذ يقسم بعزة الرب فهذا دليل على أن معصيته لم تكن عن جهل بعظمته وقدرته تعالى، إنما مارسها عن وعي وعناد.
قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ والناس أمام إغواء الشيطان على ثلاثة أصناف: فمنهم من يحيط به، ويستجيب له في كل شيء وهم المشركون والكافرون، ومنهم ممن تكون مسيرتهم العامة في الحياة سليمة ولكنهم يخضعون له، ويضعفون أمامه بعض الأحيان وهم أصحاب الدرجات العادية من الإيمان، ومنهم من لا يقدر على تحريفهم أبدا وهم المخلصون الذين تمحضوا في الإيمان كالأنبياء والأولياء، والذي يحدد انتماء الإنسان لأي من هذه الفِرَق هو مدى إيمانه وعمله وإرادته، وهذا الاستثناء من إبليس اعتراف واضح بإرادة الإنسان، ونسف لجميع الحتميات المزعومة، لأن ضغوط الشيطان وإغراءاته مع ذلك يستطيع البشر مقاومتها وقهرها بإرادته.
وهذه هي الفكرة المركزية في سورتي (ص والصافات) إذ تؤكد السورتان: أن من بين عباد الله عباد خلصوا لله من كل العلاقات المادية والشركية، فلا سبيل للشيطان عليهم.
[٨٤- ٨٥] وفي مقابل قسم إبليس بإغواء العباد قطع الله على نفسه عهدا أن يدخله ومن تبعه جهنم، وأن يملأها منهم. قَالَ فَالْحَقُ إن الجزاء حق أولا لأنه يجري أساس سنة الجزاء العادل المنسجمة مع سنن الله في الحكمة في الخليقة، وثانيا لأنه واقع لا ريب فيه. ثم أكد هذا التعهد بجملة تأكيدية، وقال وَالْحَقَّ أَقُولُ بلى؛ كلام الرب تعبير دقيق عن حقائق الخليقة بلا أدنى اختلاف. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ولا تعني هذه الآية أن الله يدخل العباد إلى النار جبرا، إنما هم الذين يختارون طريق الباطل المنتهي إليها، وإنما أشار الله إلى كثرة من يدخلها لعلمه الذي أحاط بالمستقبل إحاطة تامة، وفي القرآن تتكرر الآيات التي تشبه هذه الآية، ومع ذلك يبعد الكثير منا عن نفسه التهمة فيعتقد أن النار خلقت للآخرين، بينما يؤكد الله على امتلاء جهنم بالعاصين حتى لا يصيبنا الغرور والعجب بإيماننا وأعمالنا فنتوقف أو نتوانى في عمل الصالحات، وحتى نظل نسعى جهدنا لإنقاذ أنفسنا من جهنم بدافع الخوف من الخزي والعذاب يوم القيامة، وقد ورد في تفسير الآية الكريمة وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً [مريم: ٧١].