من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٧ - إن ذلك لحق تخاصم أهل النار
أن مقاييسهم في الحياة وتقييمهم للآخرين هي الأخرى كانت خاطئة، وكان ينفعهم ذلك لو عرفوه في الدنيا وعملوا على إصلاح أنفسهم، ولكنهم رفضوا الرسالة واتبعوا الأهواء.
[٦٣] ويُردُّ أهل النار عدم رؤيتهم لمن كانوا يتصورونهم أشرارا في النار إلى أحد سببين، فإما أنهم صاروا إلى الجنة وهذا يعني أن مقاييسهم وبالتالي موقفهم تجاه أولئك كان خاطئا، أو أنهم موجودون معهم ولكنهم لا يرونهم. أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً في الدنيا وتبين الآن سلامة خطهم. أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمْ الأَبْصَارُ فلا نراهم.
ولهذا المقطع تفسير آخر هو: أنهم يعنون الله، بأنه ربما أدخلهم الجنة غفلة واشتباها مع أنهم من أهل النار، وتعالى ربنا أن يضل أو ينسى، بل هم المخطئون في تقييمهم للمؤمنين.
ويبقى السؤال: من هم أولئك الذين تعنيهم الآيات في واقعنا الراهن؟
إنهم الطغاة بلا ريب، وهم حكام الجور المتسلطون قسرا على رقاب العباد، والذين يحكمون بغير ما أنزل الله، ويتجاوزون حدود الله، ويذلون عباد الله، أما جنودهم وأزواجهم فهم الذين يتبعون نهجهم، أو يشاركونهم في ظلمهم. أما الذين يعدونهم من الأشرار فهم الثائرون ضدهم من عباد الله المخلصين، الذين رفضوا عبادة غير الله، واتخاذ الآلهة المزيفة أربابا من دون الله رب العالمين. إن الطغاة وجنودهم من قوى الظلم، وأبواق الضلالة، يكيلون التهم ضد الثائرين عليهم، و يَعُدُّونهم شرا من اليهود والنصارى والمجوس. ولكن هؤلاء الذين عَدُّوهم أشرارا في الدنيا يفتقدونهم في النار، ويعلمون أنهم هنالك في الجنة يحبرون.
وكان أتباع أهل بيت الرسالة من هؤلاء، إذ رفضوا سلطات الجور والقمع والضلال، وطاردتهم قوى الإرهاب، وألصقت بهم أبشع التهم، ولكن أئمة الهدى من آل الرسول عليهم السلام كانوا يُسلّونهم بأنهم سوف يُحبرون في الجنة بينما يُطلبون في النار.
يقول (مُيَسِّرٍ)- وهو أحد المؤمنين الرافضين لسلطات الجور-: (دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِالله عليه السلام فَقَالَ
كَيْفَ أَصْحَابُكَ؟
فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ لَنَحْنُ عِنْدَهُمْ أَشَرُّ مِنَ اليَهُودِ والنَّصَارَى والمَجُوسِ والَّذِينَ أَشْرَكُوا قَالَ وكَانَ مُتَّكِئاً فَاسْتَوَى جَالِساً ثُمَّ قَالَ عليه السلام
كَيْفَ قُلْتَ؟.
قُلْتُ: واللهِ لَنَحْنُ عِنْدَهُمْ أَشَرُّ مِنَ اليَهُودِ والنَّصَارَى وَالمَجُوسِ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا فَقَالَ عليه السلام
أَمَا وَالله لَا تَدْخُلُ النَّارَ مِنْكُمُ اثْنَانِ لَا والله ولَا وَاحِدٌ وَالله إِنَّكُمُ الَّذِينَ قَالَ اللهُ عَزَّ وجَلّ
وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنْ الأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمْ الأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ثُمَّ قَالَ عليه السلام
طَلَبُوكُمْ والله فِي النَّارِ فَمَا وَجَدُوا مِنْكُمْ أَحَداً)[١].
[١] الكافي: ج ٨ ص ٧٨.