الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١٥ - دريد بن الصمة يعاهدهما على الكف عن الحرب و تهادي الشعر من غير شتم
أنس، و تأبى عليه خصال قعدن به عن ذلك، فقال فتى من رهط عباس: ما تلك الخصال يا خفاف؟ فقال: اتّقاؤه بخيله عند الموت، و مكالبة الصعاليك على الأسلاب، و قتله الأسرى، و استهانته بسبايا العرب، و ايم اللّه، لقد طالت حياته حتى تمنّينا موته، فانطلق الفتى إلى العباس فحدّثه الحديث، فقال العباس: يا ابن أخي إلّا أكن كالأصمّ في فضله فلست كخفاف في جهله، و قد مضى الأصمّ بما في أمس، و خلّفني لما في غد، فلما أمسى تغنّى، فقال:
خفاف أ ما تزال تجرّ ذيلا
إلى الأمر المقرّب للفساد
و قد علم المعاشر من سليم
بأنّي فيهم حسن الأيادي
و أنّي يوم جمع بني عطيف
حملت بحالك وهج المرادي [١]
و أني لا أعيّر في سليم
بردّ الخيل سالمة الهوادي
و أنّي في ملمّة كلّ يوم
أقي صحبي و في خيلي تعادي
و لم أسلب بحمد اللّه كبشا
سلاحا بين مختلف الصّعاد [٢]
و لم أحلل لمحصنة نطاقا
و لم أر عتقها إلا مرادي
فأورد يا خفاف فقد منيتم
بني عوف بحيّة بطن وادي
فلما أصبح أتى خفافا و هو في ملأ من قومه، فقال: قد بلغني مقالك يا خفاف، و ايم اللّه، إنك لتعلم أني أحمي المصافّ [٣]، و أكره السلب، و أطلق الأسير، و أصون السّبيّة.
فأمّا زعمك أنّي أتّقي بخيلي عند الموت فهات لي من قومك رجلا اتّقيت به،/ و أما قتلى الأسرى فإني قتلت الزّبيديّ بخالك، و أما سلبي الأسير فو اللّه ما أتيت على مسلوب قطّ إلّا لمت سالبه، و أما استهانتي بالسّبايا فإني أحذو القوم في سباياهم فعالهم في سبايانا، و أما تمنّيك موتي فإن متّ قبلك فأغن غنائي، ثم انصرف. فقال خفاف مجيبا للعباس عن قوله:
لعمر أبيك يا عبّاس إني
لمنقطع الرّشاء من الأعادي
و إني قد تعاتبني سليم
على جرّ الذيول إلى الفساد
أ كلّ الدهر لا تنفكّ تجري
إلى الأمر المفارق للسّداد
إذا ما عاينتك بنو سليم
تبيت لهم بداهية نآد
فزندك في سليم شر زند
و زادك في المعاشر [٤] شرّ زاد
ألا للّه درّك من رئيس
إذا عاديت فانظر من تعادي
جريت مبرّزا و جريت تكبو
على تعب فهل لك من معاد
و لم تقتل أسيرك من زبيد
بخالي بل غدرت بمستقاد
و مستقاد: الزّبيديّ.
[١] المرادي: جمع مردى، و هو الحجر الذي تكسر به الصخور.
[٢] الكبش: سيد القوم و قائدهم، و الصعاد: القنا المستويات.
[٣] المصاف: مواقف القتال. و في ف: المصاب.
[٤] في «المختار» و زادك في سليم.