الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٨٨ - طلب منه سعيد بن سلم الغناء في شعر ضعيف
جمع إبراهيم بن المهديّ المغنّين ذات يوم في منزله، فأقاموا، فلمّا دخلوا في الليل ثمل مخارق و سكر سكرا شديدا، فسألوه أن يغني صوتا، فغنّى هذا البيت من شعر عمر بن أبي ربيعة المخزوميّ:
قال: ساروا و أمعنوا و استقلّوا
و برغمي لو استطعت سبيلا
فانتهى منه إلى قوله: و استقلوا. و انثنى نائما، فقال إبراهيم بن المهديّ: مهّدوه [١] و لا تزعجوه، فمهّدوه و نام، حتى مضى أكثر الليل، ثم استقلّ من نومه فانتبه و هو يغني تمام البيت:
و برغمي لو استطعت سبيلا
[٢] و هو تمام البيت من حيث قطعه و سكت عليه من صوته [٢].
/ قال: فجعل إبراهيم يتعجّب منه، و يعجب منه من حضره، من جودة طبعه و ذكائه و صحّة فهمه.
محمد بن الحسن بن مصعب يسأل إسحاق عنه و عن إبراهيم بن المهدي: أيهما أحذق غناء
حدثنا يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، قال: قال محمد بن الحسن بن مصعب:
قلت لإسحاق يوما: أسألك باللّه إلّا صدقتني في مخارق و إبراهيم بن المهديّ، أيهما أحذق و أحسن غناء؟
فقال لي إسحاق: أ جادّ أنت؟ و اللّه ما تقاربا قطّ، و الدّليل على فضل مخارق عليه أنّ إبراهيم لا يؤدّي صوتا قديما ثقيلا جيّدا أبدا و لا يستوفيه، و إنما يغنّي الأهزاج و الغناء الخفيف، و أمّا الذي فيه عمل شديد فلا يصيبه.
طلب منه سعيد بن سلم الغناء في شعر ضعيف
أخبرني يحيى، قال: حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ، قال: حدثني بعض ولد سعيد بن سلم، قال:
دخل مخارق على سعيد بن سلم فسأله حاجة، فلما خرج قيل له: أ ما تعرف هذا؟ هذا مخارق، فقال:
ويحكم! دخل و لم نعرفه، و خرج و لم نعرفه، ردّوه، فردّوه، فقال له: دخلت علينا و لم نعرفك، فلمّا عرفناك [٣] أحببنا ألّا تخرج حتى نسمعك، فقال له: أيّ شيء تشتهي أن أسمعك؟ فقال:
يا ريح ما تصنعين بالدّمن [٤]
كم لك من محو منظر حسن!
فغنّاه مخارق، فلمّا خرج قال لبعض بنيه: أبوكم هذا نكس [٥] يتشهّى على مثلي:
يا ريح ما تصنعين بالدّمن
/ أخبرنا يحيى بن عليّ، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، قال: حدّثني عمّي محمد، قال:
سمعت أبي يقول و قد غنّى مخارق: نعم الفسيلة [٦] غرس إبليس في الأرض.
[١] مهدوء: مكنوه من النوم.
(٢- ٢) التكملة من ف.
[٣] ف «عرفنا».
[٤] الدمن جمع دمنة، و هي آثار الدار.
[٥] النكس: الضعيف الذي لا خير فيه.
[٦] الفسيلة: جزء من النبات يفصل عنه و يغرس، أو النخلة الصغيرة تقطع من الأم أو تقلع من الأرض فتغرس.