الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٧٠ - مر بغنمه و راعيه نائم فضربه و قال شعرا
كم من فقير غنيّ النّفس تعرفه
و من غنيّ فقير النّفس مسكين
و من عدوّ رماني لو قصدت له
لم يأخذ النّصف مني حين يرميني [١]
و من أخ لي طوى كشحا فقلت له:
إنّ انطواءك عني سوف يطويني
إني لأنطق فيما كان من أربي
و أكثر الصّمت فيما ليس يعنيني
لا أبتغي وصل من يبغي مفارقتي [٢]
و لا ألين لمن لا يشتهي ليني
فقال له ابن أذينة: نعم أنا قائلها، قال: أ فلا قعدت في بيتك حتى يأتيك رزقك!.
و غفل عنه هشام، فخرج من وقته و ركب راحلته و مضى منصرفا، ثم افتقده هشام فعرف خبره، فأتبعه بجائزة و قال للرّسول: قل له: أردت أن تكذّبنا و تصدّق نفسك. فمضى الرسول فلحقه و قد نزل على ماء يتغذّى عليه، فأبلغه رسالته و دفع الجائزة. فقال: قل له: صدّقني ربّي و كذّبك.
قال يحيى بن عروة: و فرض له فريضتين، فكنت أنا في إحداهما.
أخبرنا وكيع قال: حدّثنا هارون بن محمد بن عبد الملك، قال: حدّثني الزّبير بن بكّار، قال: حدّثني أبو غزيّة، قال: حدّثني أنس بن حبيب، قال:
خرج ابن أذينة إلى هشام بن عبد الملك في قوم من أهل المدينة وفدوا عليه، و كان ابنه مسلمة بن هشام سنة حجّ أذن لهم في الوفود عليه، فلما دخلوا على هشام انتسبوا له و سلّموا عليه، فقال: ما جاء بك يا ابن أذينة؟
فقال:
أتينا نمتّ بأرحامنا
و جئنا بإذن أبي شاكر
فإنّ الذي سار معروفه
بنجد و غار مع الغائر
/ إلى خير خندف في ملكها
لباد من النّاس أو حاضر
فقال له هشام: ما أراك إلا قد أكذبت نفسك حيث تقول:
لقد علمت و ما الإسراف من خلقي
أنّ الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فيعنّيني تطلّبه
و لو جلست أتاني لا يعنّيني
فقال له ابن أذينة: ما أكذبت نفسي يا أمير المؤمنين، و لكني صدّقتها، و هذا من ذاك. ثم خرج من عنده فركب راحلته إلى المدينة، فلما أمر لهم هشام بجوائزهم فقده، فقال: أين ابن أدينة؟ فقالوا: غضب من تقريعك له يا أمير المؤمنين، فانصرف راجعا إلى المدينة، فبعث إليه هشام بجائزته.
مرّ بغنمه و راعيه نائم فضربه و قال شعرا
أخبرنا وكيع، قال: حدّثنا هارون بن محمد، قال: حدّثنا الزّبير بن بكّار، قال: حدّثني عمّي، عن عروة بن عبيد اللّه، قال:
كان عروة بن أذينة نازلا مع أبي في قصر عروة بالعقيق، و خرج أبي يوما يمشي و أنا معه و ابن أذينة، و نظر إلى
[١] هذا البيت ساقط من ف. و النّصف: الإنصاف. يقال: ما جعلوا بيني و بينهم نصفا.
[٢] «المختار»: «مقاطعتي».