الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٠٥ - الرشيد يعجب بها فتعلم أم جعفر و تشكوه إلى عمومته
إليك خبره، و قد سمعت الوزير يقول: إن الناس يفتنون بغنائهم، فيعجبهم منه ما لا يعجب غيرهم، و كذلك يفتنون بأولادهم، فيحسن في أعينهم منهم ما ليس يحسن، و قد خشيت على الصوت أن يكون كذلك، فقلت: هات، فأخذت عودها و تغنّت تقول.
صوت
نفسي أ كنت عليك مدّعيا
أم حين أزمع بينهم خنت!
إن كنت مولعة بذكرهم
فعلى فراقهم ألا متّ!
/ قال: فأعجبني و اللّه غاية العجب و استخفّني الطرب، حتى قلت لها: أعيديه، فأعادته و أنا أطلب لها فيه موضعا أصلحه و أغيّره عليها لتأخذه عنّي، فلا و اللّه ما قدرت على ذلك، ثم قلت لها: أعيديه الثالثة فأعادته، فإذا هو كالذهب المصفّى، فقلت: أحسنت يا بنيّة و أصبت، و قد قطعت عليك بحسن إحسانك و جودة إصابتك أنك قائدة للمعلمين [١]؛ إذ قد صرت تحسنين الاختيار و تجيدين الصنعة، قال: ثم خرج فلقيه يحيى بن خالد، فقال: كيف رأيت صنعة ابنتك دنانير؟ قال: أعزّ اللّه الوزير،/ و اللّه ما يحسن كثير من حذّاق المغنّين مثل هذه الصنعة، و لقد قلت لها: أعيديه و أعادته عليّ مرات، كلّ ذلك أريد إعناتها، لأجتلب [٢] لنفسي مدخلا يؤخذ عنّي و ينسب إليّ، فلا و اللّه ما وجدته، فقال لي يحيى: وصفك لها يقوم مقام تعليمك إيّاها، و قد- و اللّه- سررتني و سأسرّك، فوجّه إليّ بمال عظيم.
اشتراها يحيى بن خالد من رجل من أهل المدينة
و ذكر محمد بن الحسن الكاتب، قال: حدّثني ابن المكّي، قال:
كانت دنانير لرجل من أهل المدينة، و كان خرّجها و أدّبها، و كانت أروى الناس للغناء القديم، و كانت صفراء صادقة الملاحة، فلما رآها يحيى وقعت بقلبه فاشتراها.
الرشيد يعجب بها فتعلم أم جعفر و تشكوه إلى عمومته
و كان الرشيد يسير [٣] إلى منزلة فيسمعها، حتى ألفها و اشتد عجبه [٤] بها فوهب لها هبات سنية، منها أنه وهب لها في ليلة عيد عقدا، قيمته ثلاثون ألف دينار، فردّ عليه في مصادرة البرامكة بعد ذلك. و علمت أمّ جعفر خبره فشكته إلى عمومته، فصاروا جميعا إليه فعاتبوه، فقال: ما لي في هذه الجارية من أرب في نفسها، و إنما أربى في غنائها، فاسمعوها، فإن استحقت أن يؤلف غناؤها و إلا فقولوا ما شئتم، فأقاموا عنده، و نقلهم إلى يحيى حتى سمعوها عنده فعذروه، و عادوا إلى أم جعفر فأشاروا عليها ألا تلحّ في أمرها فقبلت ذلك، و أهدت إلى الرّشيد عشر جوار، منهن: ماردة أم المعتصم، و مراجل أم المأمون، و فاردة [٥] أم صالح.
و قال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات: أخبرني محمد بن عبد اللّه الخزاعيّ قال:
[١] ب، بيروت «و قد قطعت عليك بحسن إحسانك و جودة إصابتك فائدة المعلمين». و في ف «و قد قطعت عنك بحسن اختيارك و جودة إصابتك فائدة المعلمين».
[٢] ف «لأحتال».
[٣] ف «يصير».
[٤] ف «إعجابه».
[٥] في ب: مارية «أم المعتصم». و في ف: فارد «أم صالح».