الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٠٠ - وفاته
حدّثني هارون بن مخارق عن أبيه: أنّ المأمون سأله لما قدم مكة عن أحدث صوت صنعه، فغنّاه:
صوت
أقبلت تحصب الجمار و أقبل
ت لرمي الجمار من عرفات
ليتني كنت في الجمار أنا المح
صوب [١] من كفّ زينب حصيات
الشّعر للنّميريّ، و الغناء لمخارق خفيف رمل بالبنصر، قال: فضحك، ثمّ قال: لعمري إن هذا لأحدث ما صنعت، و لقد قنعت بيسير، و ما أظنّ بهار كانت تبخل عليك بأن تحصبك بحصاة كما تحصب الجمار. و استعاده الصوت مرّات.
غنى بشعر للمأمون في جارية له فأبكاه
أخبرني جعفر بن قدامة قال:
حدّثني هارون بن مخارق، قال: حدثني أبي، قال: كنّا عند المأمون يوما، فجاءه الخادم الحرميّ فأسرّ إليه شيئا، فوثب فدخل معه، ثمّ أبطأ علينا ساعة و عاود و عينه تذرف، فقال لنا: دخلت الساعة إلى جارية لي كنت أتحظّاها، فوجدتها/ في الموت، فسلّمت عليها فلم تستطع ردّ السّلام إلا إيماء بإصبعها، فقلت هذين البيتين:
سلام على من لم يطق عند بينه
سلاما، فأومى بالبنان المخضّب
فما اسطعت توديعا له بسوى البكا
و ذلك جهد المستهام المعذّب
ثمّ قال: غنّ فيها يا مخارق، ففعلت، فما استعادني ذلك الغناء قطّ إلا بكى.
حج رجل معه و غناه صوتا فوهب له حجته
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ إجازة، قال: حدّثني أحمد بن أبي العلاء، قال: حدّثني أبي، قال:
حجّ رجل مع مخارق، فلما قضيا الحجّ و عادا، قال له الرّجل في بعض طريقه: بحقّي عليك غنّني صوتا، فغنّاه:
رحلنا فشرّقنا و راحوا فغرّبوا
ففاضت لروعات الفراق عيون
فرفع الرجل يده إلى السماء و قال: اللهمّ إني أشهدك أنّي قد وهبت [٢] حجّتي له.
وفاته
و توفّي مخارق في أوّل خلافة المتوكّل، و قيل: بل في آخر خلافة الواثق، و ذكر ابن خرداذبه أن سبب وفاته أنه كان أكل قنّبيطيّة باردة فقتلته من فوره [٣].
[١] ف:
«ليتني في الجمار كنت أنا المحصوب»
. [٢] ف «وجهت حجتي له».
[٣] ف «فقتلته من يومه».