الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٨٤ - نسبة هذا الصوت
و إلا فأكذبني بجواد واحد، فالتفت مخارق يمينا و شمالا ثم أقبل عليه فقال: صدقت يا أبا إسحاق، فقال له أبو العتاهية: فديتك، لو كنت ممّا يشرب لذررت على الماء و شربت.
غنّى بين قبرين فترك الناس أعمالهم و التفوا حوله
أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعيّ، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثني بعض آل نوبخت، قال:
كان أبي و عبد اللّه بن أبي سهل و جماعة من آل نوبخت و غيرهم وقوفا بكناسة الدّوابّ في الجانب الغربيّ من بغداد يتحدّثون، فإنهم لكذلك إذ أقبل مخارق على حمار أسود، و عليه قميص رقيق و رداء مسهّم [١]، قال: فيم كنتم؟ فأخبروه، فقال: دعوني من وسواسكم هذا، أيّ شيء لي عليكم إن رميت بنفسي بين قبرين من هذه القبور و غطّيت وجهي و غنّيت صوتا، فلم يبق أحد بهذه الكناسة و لا في الطّريق من مشتر و لا بائع و لا صادر و لا وارد إلا ترك عمله و قرب منّي و اتّبع صوتي؟ فقال له عبد اللّه: إنّي لأحبّ أن أرى هذا، فقل ما شئت، فقال: فرسك الأشقر الذي طلبته منك فمنعتنيه، قال: هو لك إن فعلت ما قلت، ثمّ دخلها و رمى بنفسه بين قبرين و تغطّى بردائه، ثمّ اندفع يغنّي فغنّى في شعر أبي العتاهية:
نادت بوشك رحيلك الأيام
أ فلست تسمع أم بك استصمام!
/ قال: فرأيت الناس يتقوّضون إلى المقبرة أرسالا [٢] من بين راكب و راجل و صاحب شول و صاحب جدي [٣] و مارّ بالطريق، حتى لم يبق بالطريق أحد، ثم قال لنا من تحت ردائه: هل بقي أحد؟ قلنا: لا، و قد وجب الرّهن، فقام فركب حماره، و عاد النّاس إلى صنائعهم، فقال لعبد اللّه: أحضر الفرس، فقال: على أن تقيم اليوم عندي، قال: نعم، فانصرفنا معهما، و سلّم الفرس إليه و برّه و أحسن إليه و أحسن رفده.
نسبة هذا الصوت
صوت
نادت بوشك رحيلك الأيّام
أ فلست تسمع أم بك استصمام!
و مضى أمامك من رأيت و أنت لل
باقين [٤] حتّى يلحقوك إمام
ما لي أراك كأنّ عينك لا ترى
عبرا [٥] تمرّ كأنّهنّ سهام
تمضي الخطوب و أنت منتبه لها
فإذا مضت فكأنّها أحلام
الشّعر لأبي العتاهية، و الغناء لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى، و فيه لمخارق هزج بالوسطى، كلاهما عن عمرو، و فيه رمل يقال: إنه لعلّوية، و يقال: إنه لمخارق عن الهشاميّ.
[١] سهّم الثوب: صور فيه سهاما؛ فهو مسهّم.
[٢] يتقوضون: يجيئون و يذهبون، و في «المختار»: «ينفضون». و الأرسال جمع رسل: الجماعة من الناس.
[٣] ما، «المختار»: «و صاحب شوك و صاحب كرى». و الشول جمع شائلة على غير قياس، و هي من الإبل: التي أتى عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر فجف لبنها.
[٤] ف «و أنت في الباقين».
[٥] ف «عيرا».