الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٩٠ - سمعت الظباء غناءه فوقفت بالقرب منه مصغية
حلفت بالطلاق ثلاثا أنّي أسمعه منك، قال: و ما هو؟ قال لحنك:
أبلغ سلامة أنّ البين قد أفدا [١]
و أنّ صحبك عنها رائحون غدا
هذا الفراق يقينا إن صبرت له
أو لا فإنّك منها ميّت كمدا
لا شكّ أنّ الذي بي سوف يهلكني
إن كان أهلك حبّ قبله أحدا
/ فغنّاه إيّاه مخارق و سقاه رطلا، و قال له: احذر ويلك أن تعاود، فانصرف. و لم تلبث أن عاودت الصّياح تصرخ: يا سيّدي، قد عاود اليمين ثلاثة، اللّه اللّه فيّ و في أولادي، قال: هاتيه، فأحضرته، فقال لها: انصرفي أنت، فإن هذا كلما انصرف حلف و عاد، فدعيه يقيم يومه كلّه، فتركته و انصرفت، فقال له مخارق: ما قصّتك أيضا؟ قال:
قد عرّفتك يا سيّدي أنّني رجل طروب، و كنت سمعت صوتا من صنعتك فاستخفّني الطّرب له فحلفت أنّي أسمعه منك، قال: و ما هو؟ قال:
ألف الظّبي بعادي
و نفى الهمّ رقادي
و عدا الهجر على الوص
ل بأسياف حداد
قل لمن زيّف ودّي:
لست أهلا لودادي
قال: فغنّاه إيّاه و سقاه رطلا، ثم قال: يا غلام، مقارع، فجيء بها، فأمر به فبطح، و أمر بضربه فضرب خمسين مقرعة، و هو يستغيث فلا يكلّمه، ثم قال له: احلف بالطّلاق أنك لا تذكرني أبدا، و إلّا كان هذا دأبك إلى الليل، فحلف بالطّلاق ثلاثا على ما أمره به، ثمّ أقيم فأخرج عن الدار، فجعلنا نضحك بقيّة يومنا من حمقه.
أشرف من بيته على القبور و غنى باكيا
أخبرني عمّي، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثنا أحمد بن محمد، قال: حدّثني إسحاق بن عمر بن بزيع، قال:
أتيت مخارقا ذات يوم و معي زرزور الكبير لنقيم عنده، فوجدته قد أخرج رأسه من جناح له، و هو مشرف على المقابر يغنّي هذا البيت و يبكي:
أين الملوك التي كانت مسلّطة
قال: فاستحسنّا ما سمعناه منه استحسان من لم يسمع قطّ غناء غيره، فقال/ لنا: انصرفوا، فليس فيّ فضل اليوم بعد ما رأيتم. قال محمد: و كان و اللّه مخارق ممّن لو تنفّس لأطرب من يسمعه استماع نفسه.
سمعت الظباء غناءه فوقفت بالقرب منه مصغية
و ذكر محمد بن الحسن الكاتب أنّ محمد بن أحمد بن يحيى المكّيّ حدّثه عن أبيه قال:
خرج مخارق مع بعض إخوانه إلى بعض المتنزّهات، فنظر إلى قوس مذهبة مع أحد من خرج معه، فسأله إيّاها، فكأنّ المسئول ضنّ بها. قال: و سنحت ظباء بالقرب منه، فقال لصاحب القوس: أ رأيت إن تغنّيت صوتا فعطفت عليك به خدود هذه الظباء، أ تدفع إليّ هذه القوس؟ قال: نعم، فاندفع يغني.
[١] أفد: دنا أو عجل.