الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٨٩ - قصة رجل حلف بالطلاق أن يسمعه ثلاث مرات
جارية تغني صوتا له بحضرته فتحسن
أخبرني عمّي، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني محمد بن محمد، قال:
سمع محمد بن سعيد القارئ مهديّة جارية يعقوب بن السّاحر تغني صوتا لمخارق بحضرته، و قد كانت أخذته عنه و هو:
ما لقلبي يزداد في اللهو غيّا
و الليالي قد أنضجتني كيّا
سهلت بعدك الحوادث حتّى
لست أخشى و لا أحاذر شيّا
فأحسنت فيه ما شاءت، و انصرف محمد بن سعيد، و قرأ على لحنه: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ [١].
قصة رجل حلف بالطلاق أن يسمعه ثلاث مرات
حدّثني عمّي، قال: حدثنا عبد اللّه، قال: حدثني محمد، قال:
كنت عند مخارق أنا و هارون بن أحمد بن هشام، فلعب مع هارون بالنّرد فقمره مخارق مائتي رطل باقلا طريّا، فقال مخارق: و أنتم عندي أطعمكم من لحم جزور من الصناعة، يعني من صناعة أبيه يحيى بن ناووس الجزّار.
قال: و مرّ بهارون بن أحمد فصيل ينادى عليه، فاشتراه بأربعة دنانير، و وجّه به إلى مخارق، و قال: يكون ما تطعمنا من هذا الفصيل، فاجتمعنا و طبخ مخارق بيده جزوريّة، و عمل من سنامه و كبده و لحمه غضائر [٢] شويت في التّنّور، و عمل من لحمه لونا يشبه الهريسة بشعير مقشّر [٣] في نهاية الطّيب، فأكلنا و جلسنا نشرب، فإذا نحن بامرأة تصيح من الشّطّ:/ يا أبا المهنّأ، اللّه اللّه فيّ، حلف زوجي عليّ بالطّلاق أن يسمع غناءك و يشرب عليه، فقال: اذهبي و جيئي به، فجاء فجلس، فقال له: ما حملك على ما صنعت، فقال له: يا سيّدي، كنت سمعت صوتا من صنعتك فطربت عليه حتى استخفّني الطّرب، فحلفت أن أسمعه منك ثقة بإيجابك حقّ زوجتي، و كانت زوجته داية هارون بن مخارق. فقال: و ما هو الصوت؟ فقال:
صوت
بكرت عليّ فهيّجت وجدا
هوج [٤] الرّياح و أذكرت نجدا
أ تحنّ من شوق إذا ذكرت
نجد و أنت تركتها عمدا
الشعر لحسين بن مطير، و الغناء لمخارق ثقيل أول، و فيه لإسحاق ثقيل أول آخر، فغنّاه إياه و سقاه رطلا، و أمره بالانصراف، و نهاه أن يعاود، و خرج. فما لبثنا أن عادت المرأة تصرخ: اللّه اللّه فيّ يا أبا المهنّأ، قد أعاد زوجي المشئوم اليمين أنك تغنّيه صوتا آخر، فقال لها: أحضريه، فأحضرته أيضا، فقال له: ويلك، ما لي و لك! أيّ شيء قصّتك [٥]! فقال له: يا سيّدي أنا رجل طروب، و كنت قد سمعت صوتا لك آخر فاستفزّني الطّرب إلى أن
[١] مريم/ ١٢.
[٢] ف، ما «ضفائر». و الغضائر: القطع.
[٣] ف «مقشور».
[٤] الهوج: جمع هوجاء، و هي الرياح المتداركة الهبوب كأن بها هوجا.
[٥] س «أيش قصتك»!.