الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٧٩ - كان سبب عتقه و غناه لحنا غناه أمام الرشيد
للرّشيد فأمره بتعليمه فعلّمه حتى بلغ المبلغ الذي بلغه.
غنى لرشيد بعد ابن جامع ففاقه
و كان يقف بين يدي الرّشيد مع الغلمان لا يجلس، و يغنّي و هو واقف، فغنّى ابن جامع ذات يوم بين يدي الرّشيد:
كأنّ نيراننا في جنب قلعتهم
مصبّغات على أرسان قصّار [١]
هوت هرقلة لمّا أن رأت عجبا
حوائما [٢] ترتمي بالنّفط و النّار
فطرب الرشيد و استعاده عدّة مرّات، و هو شعر مدح به الرشيد في فتح هرقلة، و أقبل يومئذ على ابن جامع دون غيره، فغمز مخارق إبراهيم بعينه، و تقدّمه إلى الخلاء، فلما جاءه قال له: ما لي أراك منكسرا [٣]؟ قال: أما ترى إقبال أمير المؤمنين على ابن جامع بسبب هذا الصوت؟ فقال: قد و اللّه أخذته، فقال له: ويحك إنه الرّشيد، و ابن جامع من تعلم، و لا يمكن معارضته إلا بما يزيد على غنائه، و إلا فهو الموت، و قال: دعني و خلاك ذمّ، و عرّفه أنّي أغنّي به، فإن أحسنت فإليك ينسب، و إن أسأت فإليّ يعود [٤]. فقال للرّشيد: يا أمير المؤمنين، أراك متعجبا من هذا/ الصوت بغير ما يستحقه و أكثر ممّا يستوجبه، فقال: لقد أحسن ابن جامع ما شاء، قال: أو لابن جامع هو؟ قال: نعم، كذا ذكر، قال له: فإن عبدك مخارقا يغنّيه، فنظر إلى مخارق، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: هاته، فغنّاه و تحفّظ فيه، فأتى بالعجائب؛ فطرب الرّشيد حتى كاد يطير فرحا، و شرب، ثم أقبل على ابن جامع فقال له: ويلك، ما هذا! فابتدأ يحلف له بالطّلاق و كلّ محرجة أنّه لم يسمع ذلك الصوت قطّ إلّا منه، و لا صنعه غيره، و أنها حيلة جرت عليه، فأقبل على إبراهيم و قال: أصدقني بحياتي، فصدقه [٥] عن قصّة مخارق، فقال له: أ كذلك هو يا مخارق؟ قال: نعم يا مولاي، فقال: اجلس إذن مع أصحابك، فقد تجاوزت مرتبة من يقوم، و أعتقه و وصله بثلاثة آلاف دينار، و أقطعه ضيعة و منزلا.
كان سبب عتقه و غناه لحنا غناه أمام الرشيد
أخبرني محمد بن خلف وكيع، و حدّثني محمد بن خلف بن المرزبان، قال وكيع: حدّثني هارون بن مخارق، و قال ابن المرزبان: ذكر هارون بن مخارق، قال:
كان أبي إذا غنّى هذا الصوت:
يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربا
زدت الفؤاد على علّاته وصبا [٦]
ربع تبدّل ممّن كان يسكنه
عفر الظّباء و ظلمانا به عصبا [٧]
[١] المصبغات: الملونات، و الأرسان من الأرض: الحزنة. و القصار: المبيض الثياب.
[٢] «المختار»: «جواثما». و جاء البيت الثاني في «التجريد» مكان الأول.
[٣] ف «ما لي رأيتك مفكرا».
[٤] «التجريد»، ف «و إن أسأت فعليّ يعود».
[٥] «المختار»: «فصدق».
[٦] ف «نصبا».
[٧] العصب: جمع عصبه، و هي الجماعة.