الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١٩ - ابن جامع يغني الرشيد بهرقلة
الفرسان أن يقوما [١] و ليس يخدش واحد منهما صاحبه، ثم تحاجزا [٢] بشيء، فزجّ كلّ واحد منهما برمحه، و أصلت سيفه، فتجالدا مليّا، و اشتدّ الحرّ عليهما، و تبلّد الفرسان، و جعل ابن الجزريّ يضرب الرّوميّ الضربة التي يرى أنه قد بلغ فيها فيتقيها الروميّ، و كان ترسه حديدا؛ فيسمع لذلك صوت منكر، و يضربه الرّوميّ ضرب معذّر؛ لأن ترس ابن الجزريّ كان درقة، فكان العلج يخاف أن يعضّ بالسّيف فيعطب، فلما يئس من وصول كل واحد منهما إلى صاحبه انهزم ابن الجزريّ؛ فدخلت المسلمين كآبة لم يكتئبوا مثلها قطّ، و عطعط [٣] المشركون اختيالا و تطاولا، و إنما كانت هزيمته حيلة منه؛ فأتبعه العلج، و تمكّن منه ابن الجزريّ فرماه بوهق [٤] فوقع في عنقه و ما أخطأه، و ركض فاستلّه عن فرسه، ثم عطف عليه فما وصل إلى الأرض حيّا حتى فارقه رأسه، فكبّر المسلمون أعلى تكبير، و انخذل المشركون و بادروا الباب يغلقونه، و اتصل الخبر بالرّشيد فصاحب القوّاد: اجعلوا النار في المجانيق و ارموها فليس عند القوم دفع، ففعلوا و جعلوا الكتّان و النّفط على الحجارة و أضرموا فيها النار و رموا بها السور، فكانت النار تلصق به و تأخذ الحجارة، و قد تصدّع فتهافتت، فلما أحاطت بها النيران فتحوا الباب مستأمنين و مستقبلين، فقال الشاعر المكّيّ الذي كان ينزل جدّة:
صوت
هوت هرقلة لمّا أن رأت عجبا
حوائما [٥] ترتمي بالنّفط و النّار
كأنّ نيراننا في جنب قلعتهم
مصبّغات على أرسان قصّار
في هذين البيتين لابن جامع لحن من الثقيل الأوّل بالبنصر.
قال محمد بن يزيد: و هذا كلام ضعيف لين، و لكنّ قدره عظيم في ذلك الموضع و الوقت، و غنّى فيه المغنّون بعد ذلك./ و أعظم الرّشيد الجائزة للجدّيّ الشاعر، و صبّت الأموال على ابن الجزريّ و قوّد، فلم يقبل التّقويد إلا بغير رزق و لا عوض، و سأل أن يعفى و ينزل بمكانه من الثّغر، فلم يزل به طول عمره.
ابن جامع يغني الرشيد بهرقلة
أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثنا أحمد بن عليّ بن أبي نعيم المروزيّ قال:
خرج الرّشيد غازيا بلاد الرّوم فنزل بهرقلة، فدخل عليه ابن جامع فغنّاه:
هوت هرقلة لمّا أن رأت عجبا
حوائما ترتمي بالنّفط و النّار
فنظر الرشيد إلى ماشية قد جيء بها، فظنّ أن الطاغية قد أتاه، فخرج يركض على فرس له و في يده الرّمح، و تبعه الناس، فلما تبيّن له أنها ماشية رجعوا، فغنّاه ابن جامع:
[١] ف «و كاد الفرسان يقومان».
[٢] ف «ثم تحاورا بشيء».
[٣] العطعطة: تتابع الأصوات و اختلاطها.
[٤] الوهق: الحبل في طرفيه أنشوطة يطرح في عنق الدابة و الإنسان.
[٥] في «التجريد»: «جواثما».