الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٨٦ - رأى رؤيا فسرها إبراهيم الموصلي بأن إبليس قد عقد له لواء صنعة الغناء
ما طار في مسامعي شيء قطّ أحسن منه، فلما خرجت سألت عنه، فقال لي غلمانه: هذا أبو المهنّأ مخارق، فقلت فيه:
أعاد اللّه يوم أبي المهنّأ
علينا إنّه يوم نضير [١]
تغيّب نحسه عنّا و أرخى
علينا وابل جود [٢] مطير
فلمّا أن رأيت القطر فوقي
و أقداحا يحثّ بها المدير
و أسعدنا بصوت لو وعاه
وليّ العهد خفّ به السّرير [٣]
تذكّرت الحبيب و أهل نجد
و روضا نبته غضّ نضير
قال: فقلت له: و لم ذكرت نجدا مع ما كنت فيه؟ و كان ينبغي لك أن تنساه، قال: كلّا، إنّ المرء إذا كان فيما يحبّ تذكّر أهله، قلت: فما غنّاك؟ قال: غنّاني:
/
و ما روضة جاد الرّبيع بهطله
عليها فروّاها و رقّت غصونها
و هبّت عليها الرّيح حتى تبسّمت
و حتى بدت فوق الغصون عيونها
بأحسن منها إذ بدت وسط مجلس
و في يدها عود فصيح يزينها
و قد أنطقته و الشّمال جريّة
على عقد ما تلقي عليها يمينها [٤]
قال: فلم يزل يردّده عليّ حتى قضيت و طري من لذّتي، و حفظته عنه.
غنى لإبراهيم الموصلي فجرت دموعه و نشج أحرّ نشيج
أخبرني جحظة، قال: حدّثني حمّاد بن إسحاق، عن أبيه قال:
دخلت على جدّك إبراهيم و هو جالس بين بابين له، و مخارق بين يديه يغنّيه:
يا ربع بشرة إن أضرّ بك البلى
فلقد رأيتك آهلا معمورا
قال: و اللّحن الذي كان يغنّيه لمالك، و فيه عدّة ألحان مشتركة، فرأيت دموع أبي تجري عمى خدّيه من أربعة أماكن و هو ينشج أحرّ نشيج [٥]، فلمّا رآني قال: يا إسحاق هذا و اللّه صاحب اللواء غدا إن مات أبوك.
رأى رؤيا فسّرها إبراهيم الموصلي بأن إبليس قد عقد له لواء صنعة الغناء
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثني هارون بن مخارق، عن أبيه، قال:
رأيت و أنا حدث كأنّ شيخا جالسا على سرير في روضة حسنة قد دعاني، فقال لي: غنّني يا مخارق، فقلت:
أصوتا تقترحه أم ما حضر؟ فقال: ما حضر، فغنّيته بصنعتي في:
[١] ف «يوم قصير».
[٢] الجود: المطر الغزير، و قد يأتي وصفا كما ورد في البيت.
[٣] في «حف به السرور».
[٤] ف:
«ما تلقى عليه يمينها»
، و الشمال: الريح التي تهب من جهة الشمال و تقابل الجنوب. و الجرية: الوكيلة.
[٥] نشج الباكي نشيجا: غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب.