الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٠٩ - جعفر بن يحيى يوليه عملا ثم يصرفه عنه
فما ذا تؤخّر من حاجتي
و أنت لتعجيلها ضامن!
أ لم تر أنّ احتباس النّوال
لمعروف صاحبه شائن!
فلم يتعجّل ما أراد، فكتب إليه:
رويدك إنّ عزّ الفقر أدنى
إليّ من الثّراء مع الهوان
و ما ذا تبلغ الأيّام منّي
بريب صروفها و معي لساني
فبلغ قوله جعفرا فقال له: ويلك يا أشجع! هذا تهدّد فلا تعد لمثله، ثم كلّم أباه فقضى حاجته، فقال:
كفاني صروف الدّهر يحيى بن خالد
فأصبحت لا أرتاع للحدثان
كفاني- كفاه اللّه كلّ ملمّة-
طلاب فلان مرّة و فلان
فأصبحت في رغد من العيش واسع
أقلّب فيه ناظري و لساني
جعفر بن يحيى يوليه عملا ثم يصرفه عنه
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ، قال: حدّثنا العنزيّ عن ابن النّطّاح، قال:
/ ولّى جعفر بن يحيى أشجع عملا، فرفع إليه أهله رفائع [١] كثيرة، و تظلّموا منه و شكوه، فصرفه جعفر عنهم، فلما رجع إليه من عمله مثل بين يديه، ثم أنشأ يقول:
أ مفسدة سعاد عليّ ديني
و لائمتي على طول الحنين
و ما تدري سعاد إذا تخلّت
من الأشجان كيف أخو الشّجون
تنام و لا أنام لطول حزني
و أين أخو السّرور من الحزين!
لقد راعتك عند قطين سعدى
رواحل غاديات بالقطين [٢]
كأنّ دموع عيني يوم بانوا
عيانا سحّ مطّرد معين [٣]
لقد هزّت سنان القول منّي
رجال رفيعة لم يعرفوني
هم جازوا حجابك يا ابن يحيى
فقالوا بالذي يهوون دوني
أطافوا بي لديك و غبت عنهم
و لو أدنيتني لتجنّبوني
و قد شهدت عيونهم فمالت
عليّ و غيّبت عنهم عيوني
و لمّا أن كتبت بما أرادوا
تدرّع [٤] كلّ ذي غمز دفين
/ كففت عن المقاتل باديات
و قد هيّأت صخرة منجنون [٥]
و لو أرسلتها دمغت رجالا
و صالت في الأخشّة و الشّئون [٦]
[١] الرفائع: جمع رفيعة؛ و هي القصة المرفوعة إلى الحاكم.
[٢] القطين: الخدم و الحاشية.
[٣] في ف «غياث سح مطرد معين».
[٤] في ب «تردع».
[٥] المنجنون: الدولاب يستقى عليها.
[٦] الأخشة جمع خشاش، و هو العود يجعل في عظم أنف البعير، و الشئون جمع شأن، و هو عرق الدمع.