الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٥٦ - إسحاق يفضل الزبير على أبيه و أخيه في الغناء
قال أبو إسحاق: فاستحسن الرّشيد الشّعر و الغناء، و أمر له بألف دينار فدفعت إليه، و مكث ساعة ثم غنّى صوتا ثانيا و هو:
صوت
و أحور كالغصن يشفي السّقام
و يحكي الغزال إذا مارنا
شربت المدام على وجهه
و عاطيته الكأس حتى انثنى
و قلت مديحا أرجّي به
من الأجر حظّا و نيل الغنى
و أعني بذاك الإمام الذي
به اللّه أعطى العباد المنى
/ لحن هذا الصوت ثاني ثقيل مطلق.
قال: فما فرغ من الصّوت حتى أمر له بألف دينار آخر فقبضه، و خفّ على قلبه و استظرفه، فأغناه في مدّة يسيرة من الأيّام.
يغني الرشيد بشعر يزيد ندمه على ما فعله بالبرامكة
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدثني أبو توبة، عن القطرانيّ، عن محمد بن حبيب قال:
كان الرّشيد بعد قتله البرامكة شديد الأسف عليهم، و التّندّم/ على ما فعله بهم، ففطن لذلك الزّبير بن دحمان، فكان يغنّيه في هذا المعنى و يحرّكه، فغنّاه يوما و الشعر لامرأة من بني أسد:
من للخصوم إذا جد الخصام بهم
يوم النّزال و من للضّمر القود [١]
و موقف قد كفيت النّاطقين به
في مجمع من نواصي النّاس مشهود [٢]
فرّجته بلسان غير ملتبس
عند الحفاظ و قول غير مردود [٣]
فقال له الرّشيد: أعد، فأعاد، فقال له: ويحك! كأن قائل هذا الشّعر يصف به يحيى بن خالد، و جعفر بن يحيى، و بكى حتى جرت دموعه، و وصل الزّبير صلة سنيّة.
إسحاق يفضّل الزبير على أبيه و أخيه في الغناء
أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد قال:
كان أبي يقول: ما كان دحمان يساوي على الغناء أربعمائة درهم، و أشبه خلق اللّه به غناء ابنه عبيد اللّه، و كان يفضّل الزبير بن دحمان على أبيه و أخيه [٤] تفضيلا بعيدا. و في الزبير يقول إسحاق و له فيه غناء و هو:
[١] ف «يوم الجدال» بدل «يوم النزال». و القود جمع أقود، و هو من الخيل الذلول المنقاد، أو الشديد العنق لقلة التفاته.
[٢] نواصي الناس: أشرافهم و المتقدمون منهم.
[٣] ف «بلسان غير مشتبه». و في «المختار»، ف «و قلب غير مزءود».
[٤] ب «و إخوته».