الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٥٧ - حفظ حقوق جيرانه و لكنهم ضيعوا حقه فهجاهم
/
و ما ينفع المقبور عمران قبره
إذا كان فيه جسمه يتهدّم
شعر له في أصحاب أبي حنيفة
أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعيّ قال: حدّثنا الرّياشيّ قال: حدّثنا محمد بن الصبّاح، عن سفيان بن عيينة، و نسخت هذا الخبر أيضا من بعض الكتب: أنّ حامد بن يحيى البلخيّ [١]، حدّث عن سفيان بن عيينة، و هذه الرواية أتمّ، قال:
لمّا سمع مساور الورّاق لغط أصحاب أبي حنيفة و صياحهم أنشأ يقول:
كنّا من الدّين قبل اليوم في سعة
حتى بلينا بأصحاب المقاييس
قوم إذا اجتمعوا ضجّوا كأنّهم
ثعالب ضبحت بين النّواويس [٢]
/ فبلغ ذلك أبا حنيفة و أصحابه، فشقّ عليهم و توعّدوه، فقال أبياتا ترضيهم و هي:
إذا ما النّاس يوما قايسونا
بآبدة من الفتيا ظريفه
أتيناهم بمقياس ظريف [٣]
مصيب من قياس أبي حنيفة
إذا سمع الفقيه بها وعاها
و أثبتها بحبر في صحيفه
فبلغ أبا حنيفة فرضي. قال مساور: ثم دعينا إلى وليمة بالكوفة في يوم شديد الحرّ، فدخلت فلم أجد لرجلي موضعا من الزّحام، و إذا أبو حنيفة في صدر البيت، فلما رآني قال: إليّ يا مساور، فجئت فإذا مكان واسع، و قال لي: اجلس، فجلست، فقلت في نفسي: نفعتني أبياتي اليوم. قال: و كان إذا رآني بعد ذلك يقول لي: هاهنا، هاهنا، و يوسّع لي إلى جنبه، و يقول: إنّ هذا من أهل الأدب و الفهم، انتهى.
حفظ حقوق جيرانه و لكنهم ضيعوا حقه فهجاهم
أخبرني محمّد بن الحسين بن دريد، قال: حدّثنا أبو المعمّر عبد الأول بن مزيد، أحد بني أنف الناقة، قال:
كان مساور الورّاق لا يضيع حقّا لجار له، فماتت بنته، فلم يشهدها من جيرانه إلّا نفر يسير، فقال مساور في ذلك:
تغيّب عنّي كلّ جاف ضرورة
و كلّ طفيليّ من القوم عاجز
سريع إذا يدعى ليوم وليمة
بطيء إذا ما كان حمل الجنائز
أخبرني محمد بن الحسن، قال: حدّثنا عبد الأول، قال:
قدم جار لمساور الورّاق من سفر، فجاءه يسلّم عليه، فقال: يا جارية، هاتي لأبي القاسم غداء، فجاءت برغيف فوضعته على الخوان، فمدّ يده يأكل مع مساور،/ و قال له: يا أبا القاسم، كل من هذا الخبز، فما أكلت خبزا أطيب منه، فقال مساور في ذلك:
[١] أ، ب، س «بن أبي يحيى»، و المثبت من ف.
[٢] ضبحت الثعالب: صوتت. و النواويس: القبور. و في «المختار»: «ثعالب ضجت».
[٣] في ف: صليب.