الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦٧ - عادته فضل في مرضه و أهدته هدايا كثيرة
تنامين عن ليلي و أسهره وحدي [١]
فلم تتعطّف عليه، و بلغها بعد ذلك أنه قد عشق جارية من جواري القيان، فكتبت إليه:
يا عالي السنّ سيّئ الأدب
شبت و أنت الغلام في الطّرب
ويحك إنّ القيان كالشّرك الم
نصوب بين الغرور و العطب
لا تصدّين للفقير و لا
يطلبن إلا معادن الذهب
بينا تشكّى هواك إذ عدلت
عن زفرات الشّكوى إلى الطّلب
تلحظ هذا و ذاك و ذا
لحظ محبّ و فعل مكتسب
عادته فضل في مرضه و أهدته هدايا كثيرة
أخبرني إبراهيم قال: و حدّثني أبي قال:
اقتصد سعيد بن حميد، فسألتني فضل الشاعرة، و سألت عريب أن نمضي إليه، ففعلنا، و أهدت إليه هدايا، فكان منها ألف جدي و حمل [٢] و ألف دجاجة فائقة، و ألف طبق ريحان و فاكهة، و مع ذلك طيب كثير و شراب و تحف حسان، فكتب إليها سعيد: إنّ سروري لا يتم إلا بحضورك، فجاءته في آخر النهار، و جلسنا نشرب، فاستأذن غلامه لبنان فأذن له، فدخل إلينا و هو يومئذ شابّ طرير، حسن الوجه،/ حسن الغناء، نظيف الثياب، شكل [٣]، فذهب بها كلّ مذهب، و أقبلت عليه بحديثها و نظرها، فتشمّز [٤] سعيد و استطير غضبا، و تبيّن بنان القصّة فانصرف، و أقبل عليها سعيد يعذلها و يؤنّبها ساعة، ثم أمسك، فكتبت إليه:
يا من أطلت تفرّسي
في وجهه و تنفّسي
أفديك من متدلّل
يزهى بقتل الأنفس
هبني أسأت و ما أسأ
ت بلى أقرّ أنا المسيء
أحلفتني ألّا أسا
رق نظرة في مجلسي
فنظرت نظرة مخطئ
أتبعتها بتفرّس
و نسيت أنّي قد حلف
ت، فما عقوبة من نسي؟
فقام سعيد، فقبّل رأسها و قال: لا عقوبة عليه بل نحتمل هفوته، و نتجافى عن إساءته، و غنت عريب في هذا الشّعر هزجا، فشربنا عليه بقيّة يومنا، ثم افترقنا. و أثّر بنان في قلبها و علقت به، فلم تزل حتى واصلته و قطعت سعيدا.
وجدت في بعض الكتب عن عبد اللّه بن المعتز، قال: قال لي إبراهيم بن المهدي [٥]:
كانت فضل الشّاعرة من أحسن خلق اللّه خطّا، و أفصحهم كلاما، و أبلغهم في مخاطبة، و أثبتهم في محاورة،
[١] عجز البيت كما جاء في ف، بيروت «و أنهى دموعي أن تبثك ما عندي». و في «التجريد»: «و أنهى جفوني ...».
[٢] ب، س «و جمل.
[٣] شكل: فيه دلال و غزل.
[٤] تشمز: تقبض. و في «المختار»: «فغم». و في ب، س «فتشمر»، تصحيف.
[٥] ف، بيروت: المدبر.