الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٨٧ - نام في بيت إبراهيم بن المهدي و هو يغني ثم انتبه و أكمل الغناء
صوت
دعي القلب لا يزدد خبالا مع الذي
به منك أو داوي جواه المكتّما
و ليس بتزويق اللسان و صوغه
و لكنّه قد خالط اللّحم و الدّما
/ و لحن مخارق فيه ثقيل أول، و فيه لابن سريج رمل.
قال: فقال لي: أحسنت يا مخارق، ثم أخذ وترا من أوتار العود فلفّه على المضراب، و دفعه إليّ، فجعل المضراب يطول و يغلظ، و الوتر ينتشر و يعرض حتى صار المضراب كالرّمح، و الوتر كالعذبة عليه، و صار في يدي علما، ثم انتبهت فحدّثت برؤياي إبراهيم الموصليّ، فقال لي: الشّيخ، بلا شك، إبليس، و قد عقد لك لواء صنعتك، فأنت ما حييت رئيس أهلها.
قال مؤلّف هذا الكتاب: و أظنّ أنّ الشاعر الذي مدح مخارقا إنما عنى هذه الرؤيا بقوله:
لقد عقد الشّيخ الذي غرّ آدما
و أخرجه من جنة و حدائق
لواءي فنون للقريض و للغناء
و أقسم لا يعطيهما غير حاذق
أرسل الواثق جواريه إلى بيته ليصحح لهن صوتا
و ذكر محمد بن الحسن الكاتب، أنّ هارون بن مخارق حدّثه فقال:
كان الواثق شديد الشّغف بأبي، و كان قد اقتطعه عنّا، و أمر له بحجرة في قصره، و جعل له يوما في الأسبوع لنوبته في منزله، و كان جواريه يختلفن [١] لذلك اليوم، قال: فانصرف إلينا مرّة في نوبته فصلّى الغداة مع الفجر على أسرّة في صحن الدّار في يوم صائف و جلس يسبّح، فما راعنا إلا خدم بيض قد دخلوا فسلّموا عليه و قالوا:
إن أمير المؤمنين قد دعا بنا في هذه الساعة، فأعدنا عليه الصوت الذي طرحته علينا فلم يرضه من أحد منا، و أمرنا بالمصير إليك لنصحّحه عليك، قال: فأمر غلمانه فطرحوا لهم عدّة كراسيّ فجلسوا عليها، ثم قال لهم:
ردّوا الصوت، فردّوه، فلم يرضه من أحد منهم، فدعا بجاريته عميم، فردّته عليهم، فلم يرضه منها، قال:
/ فتحوّل إليهم ثم اندفع فردّ الصوت على الخدم، فخرج الوصائف من حجر جواريه حتى وقفن حوالي الأسرّة، و دخل غلام من غلمانه و كان يستقي الماء، فهجم على الصّحن بدلوه، و جاءت جارية على كتفها جرّة من جرار المزمّلات [٢]، حتى وقفت بالقرب منه، قال: و سبقتني عيناي فما كففت دموعها [٣] حتى فاضت.
ثمّ قطع الصوت حين استوفاه، فرجع الوصائف الأصاغر سعيا إلى حجر الجواري، و خرج الغلام السّقّاء يشتدّ إلى بغلة، و رجعت الجارية الحاملة الجرة المزمّلة شدّا إلى الموضع الذي خرجت منه، فتبسّم أبي و قال: ما شأنك يا هارون؟ فقلت: يا أبت جعلني اللّه فداءك، ما ملكت عيني، قال: و أبوك أيضا لم يملك عينه.
نام في بيت إبراهيم بن المهدي و هو يغني ثم انتبه و أكمل الغناء
و ذكر هارون بن الزّيات عن أصحابه قال:
[١] في ما، ف «يحتففن».
[٢] المزملات: جمع مزمّلة؛ و هي الجرة يبرد فيها الماء، و في وسطها ثقب فيه قصبة من الفضة أو الرصاص يشرب منها (عراقية).
[٣] ف «دموعهما».