الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٩٨ - أنشد الرشيد قصيدته الميمية فاستحسنها و قال هكذا تمدح الملوك
التّشبيب و أنشدته من موضع المديح في قصيدتي التي أوّلها:
تذكّر عهد البيض و هو لها ترب
و أيّام يصبي الغانيات و لا يصبو
فابتدأت قولي في المديح:
إلى ملك يستغرق المال جوده
مكارمه نثر [١] و معروفه سكب
و ما زال هارون الرّضا بن محمّد
له من مياه النّصر مشربها العذب
متى تبلغ العيس المراسيل بابه
بنا فهناك الرّحب و المنزل الرّحب
لقد جمعت فيك الظّنون و لم يكن
بغيرك ظنّ يستريح له القلب [٢]
جمعت ذوي الأهواء حتى كأنّهم
على منهج بعد افتراقهم ركب
بثثت [٣] على الأعداء أبناء دربة
فلم يقهم منهم حصون و لا درب
و ما زلت ترميهم بهم متفرّدا
أنيساك حزم الرّأي و الصّارم العضب
جهدت فلم أبلغ علاك بمدحة
و ليس على من كان مجتهدا عتب
فضحك الرّشيد و قال لي: خفت أن يفوت وقت الصلاة فينقطع المديح عليك، فبدأت به و تركت التّشبيب، و أمرني بأن أنشده التّشبيب فأنشدته إيّاه، فأمر لكلّ واحد من الشّعراء بعشرة آلاف درهم و أمر لي بضعفها.
أنشد الرشيد قصيدته الميمية فاستحسنها و قال: هكذا تمدح الملوك
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثني أحمد بن سيّار الجرجانيّ و كان راوية شاعرا مدّاحا ليزيد بن مزيد، قال:
/ دخلت أنا و أشجع و التّيميّ، و ابن رزين الخراسانيّ [٤] على الرشيد في قصر له بالرقّة، و كان قد ضرب أعناق قوم في تلك الساعة، فجعلنا نتخلّل الدّماء حتى وصلنا إليه، فأنشده أبو محمد التّيميّ قصيدة له يذكر فيها نقفور [٥] و وقعته ببلاد الرّوم، فنثر عليه مثل الدّرّ من جودة شعره، و أنشده أشجع قوله:
قصر عليه تحيّة و سلام
ألقت عليه جمالها الأيّام
قصرت [٦] سقوف المزن دون سقوفه
فيه لأعلام الهدى أعلام
تثني على أيّامك الأيّام
و الشاهدان الحلّ و الإحرام
[٧] أدنتك من ظل النبي وصيّة
قرابة و شجت بها الأرحام
برقت سماؤك في العدو و أمطرت
هاما لها ظلّ السيوف غمام
و إذا سيوفك صافحت هام العدى
طارت لهن عن الرءوس الهام [٧]
[١] في «المختار» فينا.
[٢] أ، ب، س:
«بغيرك ما ظن يستريح له قلب»
، و هو غير مستقيم الوزن.
[٣] في ب، ما: بنيت.
[٤] ف «الخزاعي».
[٥] في ب: تغفور.
[٦] في ف، بيروت: قصر.
(٧- ٧) الأبيات الثلاثة من «مختار الأغاني».