الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٧٥ - طارح محمد بن عمر الخراز رثاءه في عبد المجيد و ناحا عليه به بعد أن وضعا فيه لحنا
بنى له عزّة و مجدا
في أول [١] الدّهر بانيان
بان تلقّاه من ثقيف
و من ذرا الأزد خير باني [٢]
فاسأله ممّا حوت يداه
يهتزّ كالصّارم اليماني [٣]
ملازمته عبد المجيد في مرضه
أخبرني عمّي، قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أبو توبة صالح بن محمد قال:
مرض عبد المجيد بن عبد الوهاب الثّقفيّ مرضا شديدا بالبصرة، و كان ابن مناذر ملازما له يمرّضه و يخدمه، و يتولى أمره بنفسه، لا يكله إلى أحد. فحدّثني بعض أهلهم قال: حضرت يوما عنده، و قد أسخن له ماء حارّ ليشربه، و اشتدّ به الأمر فجعل يقول: آه! بصوت ضعيف، فغمس ابن مناذر يده في الماء الحارّ و جعل يتأوّه مع عبد المجيد و يده تحترق حتى كادت يده تسقط، فجذبناها و أخرجناها من الماء، و قلنا له: أ مجنون أنت! أيّ شيء هذا! أ ينتفع به ذاك! فقال: أساعده، و هذا جهد من مقلّ، ثم استقلّ من علّته تلك و عوفي مدّة طويلة، ثم تردّى من سطح فمات، فجزع عليه جزعا شديدا حتى كاد يفضل/ أهله و إخوته في البكاء و العويل، و ظهر منه من الجزع ما عجب الناس له، و رثاه بعد ذلك بقصيدته المشهورة، فرواها أهل البصرة، و نيح بها على عبد المجيد، و كان الناس يعجبون بها و يستحسنونها.
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم النّوشجانيّ [٤]، قال: سمعت أبي يقول:
حضرت سفيان بن عيينة يقول لابن مناذر: أنشدني ما قلت في عبد المجيد، فأنشده قصيدته الطويلة الدّالية.
قال سفيان: بارك اللّه فيك، فلقد تفرّدت بمراثي أهل العراق.
سقوط عبد المجيد من السطح على رأسه و موته
فأخبرني عمّي، قال: حدثني أبو هفّان، قال: قال جمّاز:
تزوج عبد المجيد امرأة من أهله فأولم عليها شهرا يجتمع عنده في كلّ يوم وجوه أهل البصرة و أدباؤها و شعراؤها، فصعد ذات يوم إلى السطح فرأى طنبا من أطناب السّتارة قد انحلّ، فأكبّ عليه ليشدّه، فتردّى على رأسه و مات من سقطته، فما رأيت مصيبة قطّ كانت أعظم منها و لا أنكأ للقلوب.
طارح محمد بن عمر الخراز رثاءه في عبد المجيد و ناحا عليه به بعد أن وضعا فيه لحنا
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: حدثني الحسن بن عليل العنزيّ، قال: حدثني العبّاس بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان، قال: حدثني محمد بن عمر الخرّاز [٥]، قال:
قال لي ابن مناذر: ويحك! و لست أرى نساء ثقيف ينحن على عبد المجيد نياحة على استواء، قلت: فما
[١] في ب: أزل.
[٢] في ب:
«بأن تلقاه ... غير بان»
، تحريف.
[٣] كذا في ف. و في ب، س «جاء البيت الثامن مكان التاسع».
[٤] ف: محمد بن محمد بن القاسم النوشجاني.
[٥] ف: عن جعفر بن سليمان، قال: حدثني محمد بن عمرو الجان.